ألمحت الحكومة السودانية عن اعتزامها وقف التعاون في مجال مكافحة الإرهاب مع الولايات المتحدة، نظرا لروح واشنطن العدائية تجاه الخرطوم.
لكن ما الرسالة التي تريد الخرطوم إرسالها لواشنطن؟.
التلميح السوداني يطرح العديد من التساؤلات حول هذه الخطوة، فهل هو بالون اختبار لمعرفة ردة الفعل الأمريكية؟.
وهل تعاون الخرطوم مع واشنطن مجاني، أم أن الثمن تراه الخرطوم غير كاف، وتطمح في المزيد؟.
وكان مصدر رفيع بوزارة الخارجية السودانية قال في وقت لاحق إن حكومة السودان بصدد مراجعة اتفاق التعاون في مكافحة الإرهاب مع الولايات المتحدة، موضحا أن القرار لم يعلن بعد، ولم يبلغ الجانب الأمريكي به، مشددا على أن السودان سيظل ملتزما بمحاربة ومكافحة الإرهاب بما يتناسب مع أمنه القومي ومصالحه العليا وفق المواثيق والمعاهدات الدولية.

انحراف أمريكي

ويجيب الفريق الفاتح الجيلي المصباح المدير الأسبق للمخابرات السودانية في حديثه لـ”مكة” بأن خطوة الخرطوم لمراجعة التعاون في مجال مكافحة الإرهاب مع واشنطن صحيحة، والهدف منها أن يكون هناك اتساق في التصرفات الأمريكية نحو السودان بخصوص الاتفاقات الموقعة بين البلدين.
وأضاف من الواضح أنه لا يوجد اتساق، ولا يلتزمون بأي شيء في هذا المجال، بل يسلكون طرقا قد تضر بالاتفاق، ما يؤدي لخلاف حول المبادئ التي جرى الاتفاق عليها بين الجانبين.
وأوضح بأن الاتفاق على محاربة الإرهاب لديه أسس، لكن الواضح أن الولايات المتحدة لا تلزم نفسها بأي شيء في هذه الاتفاقات، بل وتعمل ضد السودان وتفرض عليه عقوبات ولا تتقيد بأي شيء لذلك لا بد من مراجعة هذه الاتفاقيات.

بالون اختبار

من جهته أرجع المحلل السياسي خالد سعد في حديثه لـ”مكة” الخطوة السودانية إلى رغبة الخرطوم في إطلاق بالون اختبار لمعرفة ردة الفعل الأمريكية.
وقال إن الخرطوم تعاونت مع واشنطن في هذا المجال وقدمت الكثير للإدارة الأمريكية، التي تجاهلت هذه الجهود ولم ترفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب رغم تعاونه الجاد في هذا المجال.
وتابع، وفي تقديري أن الحكومة السودانية تريد معرفة موقف الإدارة الأمريكية تجاه السودان في حال تراجعه عن التعاون في مجال مكافحة الإرهاب، لكنها لا تريد أن تقفز في الظلام بإلغاء الاتفاقية تماما، وبالتالي تلوح فقط ولم تصل مرحلة الإعلان عن رفض رسمي للتعاون مع واشنطن.
فالحكومة السودانية تريد أن يكون لديها زمام المبادرة في العلاقات السودانية الأمريكية، وأن تنفذ ما تعتقد أنه ضغط على الإدارة الأمريكية.
لكن واشنطن، حسبما يقول سعد، لن تقبل بسهولة عدم تعاون السودان، وستعيد تطبيق سياسة العصا والجزرة، التي تجاهلتها في وقت سابق.
ففي الواقع تلقت الخرطوم ثمن تعاونها مع واشنطن، وذلك بتخفيف الضغوط على الخرطوم، أو تجاهلها في أحيان كثيرة، تجاه عدد من القضايا الشائكة مثل قضية دارفور أو المحكمة الجنائية الدولية أو الحوار الوطني، أو في تعامل واشنطن مع الحركات المسلحة في دارفور أو الجبهة الثورية.
فواشنطن لا تقوم بدعم هذه الحركات، وهذا جزء من ثمن التعاون في مجال مكافحة الإرهاب، وبالتالي حديث الحكومة السودانية عدم حصولها على ثمن نظير تعاونها غير صحيح بدليل أن الولايات المتحدة لا توافق على إسقاط نظام الرئيس حسن البشير بالقوة، بل وأرسلت رسائل قوية جدا إلى الحركات المسلحة والمعارضة السودانية بأنها لا تريد إسقاط النظام عبر العمل المسلح، وتأمل في أن يقود الحوار الوطني الذي دعا له البشير إلى تسوية سياسية دون تغير في بنية النظام، وهذا ثمن كبير قدمته واشنطن للحكومة السودانية.

كارت إشهار

الإدارة الأمريكية درجت على ألا تقدم الثمن كاملا في سلة واحدة، فهي تقدم ثمنا سياسيا في جانب، وتمد العصا في جانب آخر، فقد اعتادت واشنطن على ممارسة الضغوط على الحكومة السودانية لأقصى حد حتى لو تعاونت بدرجة كبيرة في موضوع مكافحة الإرهاب.
وفي تقديري التلويح السوداني بوقف التعاون هو رغبة سودانية لمعرفة ردة الفعل الأمريكية.
وأظن أن الخرطوم لا تستطيع أن تتخذ مثل هذا الموقف، إنما تلويحها بالون اختبار، وتحاول أن تظهر امتلاكها كارت يمكن أن تشهره في وجه الولايات المتحدة.