وجد بعض المثقفين في أنفسهم الشجاعة للاعتراف بأن صيامهم الطفولي لم يكن يخلو من اختراقات طفيفة للهدنة مع الطعام والشراب، وهي مواقف لم يكن الكبار يجهلونها بقدر ما كانوا يغضون الطرف عنها، ولم تكن الذاكرة الشعبية تستهجنها بقدر ما كانت توثقها في عبارات لا تخلو من الطرافة، ومن ذلك العبارة الحجازية «صايم ورا الزير» في كناية عن الأطفال الذين يشربون الماء خلسة في نهار رمضان، والتي تشابهها عبارة أخرى في الزلفي هي «تحت قاطور القربة» التي تصف حال بعض الصغار الذين يتعمدون النوم تحت قربة الماء طمعاً في اقتناص –غير متعمد تماماً- لبعض قطرات الماء البارد التي تتقاطر منها.
كان هذا أحد ملامح الأمسية الرمضانية التي أقامها أدبي الرياض الاثنين الماضي وتناولت ذكريات الأدباء والمثقفين في رمضان، حيث تحدث فيها كل من منصور العمر، وعبدالرحيم الأحمدي، وأدارها محمد القشعمي، وتضمنت استعراضا لمواقف تاريخية مع شهر الصيام وأهم العادات الاجتماعية والأكلات الخاصة المرتبطة به في عدد من مناطق السعودية.
وتحدث الضيوف عن رمضان في الرياض التي كان الناس يستعدون فيها لرمضان قبل حلوله بشهر، بتبييض الأواني وتجهيز الفرش والسجاد، ومع بداية السبعينات الهجرية، ارتبط الشهر الكريم بالمدفع، والراديو، إضافة إلى العاصمة المقدسة، حيث كان المجلس المكي يصنع ثقافة اجتماعية خاصة برمضان، في ظل مجتمع تنصهر فيه كل الطوائف والأجناس وهو ما انعكس عليه بالتسامح والتعاطف، مشيرين إلى أنه لم يكن الاختلاف كبيراً في بقية المناطق التي كانت تعيش اللحظات الرمضانية بروحانيتها وقيمها الدينية والاجتماعية مع إضفاء طابع الثقافة المحلية عليها.
الأمسية شهدت مطالبة المثقفين بعودة هذه العادات الاجتماعية، حيث دعا أحد الحضور إلى تبني بعض الأهازيج الشعبية المتعلقة بهذه المناسبة، وقدم موجزاً عن الأجواء الرمضانية في منطقة عسير، ومن ضمنها عادة الصغار الذين يجولون على منازل أهل القرية طلباً لإكرامهم بالطعام، مرددين أهزوجة شهيرة تقول (داح داح يا سمن مملوح - هو به شي ناكله ونروح؟ - هو به غلي والا قلي؟ والا طلبنا المعتلي؟«.
رجاء حسين بدورها ذكرت أن العادات لا تعد ولا تحصى، ثم تحدثت عن عادة شراء الذهب للفتيات في رمضان وهي القطع التي تعرف بالأساور والبناجر، كما تناولت الرداء النسائي المسمى (الجامة) وهو عبارة عن تنورة فضفاضة كانت ترتدى في المجتمع الحجازي، والطريف –كما تذكر رجاء حسين-أن العباءة حين جاءت، عدّها الناس (عيباً) بالمقارنة مع هذا الرداء!، وأضافت «أتمنى من النادي توثيق وإنتاج سلسلة بعنوان «رمضان في ذاكرة الزمن الجميل» يسهم فيها الجميع بكل ما يتذكرونه من مواقف وعادات وأهازيج شعبية.
مدير المحاضرة الأستاذ محمد القشعمي، تبنى دعوة المثقفين إلى توثيق وجمع هذه العادات الرمضانية، معلقاً في الإشارة إلى إدارة النادي »الكرة في مرماهم الآن«.
مطالبات بتوثيق العادات الرمضانية
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
