اليمن ينزلق نحو المجهول، والغموض هو سيد المشهد السياسي بعد إجماع الأحزاب السياسية على رفض التدابير الأحادية الثورية التي أعلنها الحوثيون، والتي هيمنوا بمقتضاها على السلطة.
الانقلابيون يواجهون عزلة مطبقة من الداخل والخارج، فالعالم أدان الانقلاب وطالب بعودة الشرعية ومؤسسات الدولة الانتقالية المدنية والعسكرية والأمنية بشكل فوري لإنجاز ما تبقى من المرحلة الانتقالية للوصول للاستفتاء على الدستور وصولا للانتخابات العامة.
إن الحوثي لن يستطيع حكم البلاد منفردا نظرا للطبيعة المتعددة المعقدة للنسيج المجتمعي، لذا فإن جماعته تواجه مقاومة شديدة من المكونات السياسية والقبلية، لأن ما جرى يمثل انقلابا على الشرعية الدستورية، ومحاولة لفرض إرادة جماعة واحدة وبقوة السلاح على الشعب اليمني ومؤسساته.
المشهد اليمني يمور بحراك واسع على عدة مسارات أخطرها شبح الانفصال الذي يتربص بالبلاد، فقد دفع فراغ السلطة بالانفصاليين في الجنوب إلى الشروع بشكل فعلي في اتخاذ تدابير تمهد لإعلان الانفصال وفك الارتباط بدولة الوحدة.
لقد وفر انهيار العملية السياسية وزيادة حالة الانقسام وأعمال العنف الفرصة لدعاة التشطير للعودة بالبلاد إلى الوضع الذي كان سائدا في 1990.
ما يجري على الأرض يحمل في طياته نذر التفتت الجهوي والطائفي، فيما يعزز الاجتياح الحوثي السريع لمحافظات البلاد وبروز نشاط القاعدة بكثافة للواجهة من جديد، فرضية التقسيم على حساب كل الاستحقاقات السياسية التي تم التوافق عليها برعاية الأمم المتحدة.
إن سيناريو الانفصال مرشح للتحقق إذا فشل اليمنيون وشركاؤهم الإقليميون والدوليون في تغليب صوت الوحدة والتمسك بها والنأي عن المصالح الضيقة.
كان من المفترض أن تكون المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية هي روشتة خروج البلاد من عنق الزجاجة، وكان الجميع، وفي مقدمتهم الدول العشر الراعية للمبادرة، يعولون على أن يتمخض تطبيقها عن حلول منطقية للمشكلات المعقدة التي تأخذ بخناق البلاد.
ما يجنيه اليمن الآن هو محصلة لتراكمات عدة وللفشل في بناء دولة المواطنة وتكريس هيبة الدولة وتشتت السلاح الثقيل بأيدي القبائل.