قد يكون السؤالان الأبرزان اللذان دارا خلال الأيام الماضية إثر انقلاب الحوثيين على السلطة اليمنية هما: هل الحوثيون على قدر تلك الخطوة التي اتخذوها؟ وكيف يستطيع طرف سياسي ليس أغلبيا وهو جزء من مشهد سياسي عريض أن يفرض على البقية كل خياراته التي يراها مناسبة للبلاد؟ أعتقد أنه لا يمكن لأي قوى في اليمن أن تنفرد بالسلطة، خاصة إذا كان شعارها طائفيا بالدرجة الأولى، فالانقلاب المريب جاء في بدايته إلى القصر للحفاظ على الرئيس كما يزعم، إلا أن إصرار الرئيس عبد ربه منصور في عدم الاستمرار في السلطة لخبط كل أوراقهم، فهم أرادوه أن يكون ورقة يستخدمونها للسيطرة على منافذ الدولة كنوع من الشرعية التي يملون على رئيسها ما يشاؤون، وهو ما حدا بهم إلى الإعلان الدستوري بعد أن سقطت ورقة الرئيس عبد ربه من أيديهم.
واقع الحال يقول بأن الحوثيين لوحدهم الآن ما عدا تحالفهم الخفي مع علي عبدالله صالح، الذي يحاول أن يضع رجلا أخرى بما بقي معه من الحرس الجمهوري وبقايا الجيش الموالي له، حتى يكون الجسر لكل من أراد العبور والتفاوض مع الطرف الآخر.
وحتما سوف ينقلب على الحوثيين وقد بدأ ذلك باستنكاره للإعلان الدستوري.
الحوثيون استفادوا كثيرا من الفشل الذي أوصلت إليه القوة السياسية البلاد، فحالة الإحباط التي سادت الشارع اليمني بأحزابه وسياسييه ومثقفيه مكّنت الحوثيين من السيطرة، فهم يستمدون قوتهم من ضعف الآخرين، وليس أمام الحوثي من قوة تستطيع مواجهته بالسلاح إلا «القاعدة» وهنا نلحظ بأن الحوثي يستخدمها كورقة تفاوض وتهدئة مع دول الخليج، وهذا ما لوح به عبدالملك الحوثي في خطابه الذي قال فيه «إننا القوة الوحيدة التي تحمي السعودية والخليج من القاعدة».
أعتقد أن الحوثيين أمام خيارين لا ثالث لهما إما الانسحاب من صنعاء وهذا مستحيل بعد كل تضحياتهم، وإما البقاء في صنعاء والانفراد بالقرار وهو ما نتج عنه الإعلان الدستوري.
هم يدركون حجم المأزق، فالحراك الشبابي الصنعاني بدأ يتصدى بصدور عارية للرصاص الحوثي، ويشاركه في ذلك الحراك الشعبي الرافض للانقلاب في تعز وإب وذمار والبيضاء.
إذن الحوثيون في مأزق وعزلة محلية وإقليمية، فالنصر العسكري سهل، لكن الاستمرار بالسيطرة أمر صعب في ظل تعدد الخصوم، وتشابك المصالح بين الأحزاب والقبائل والقاعدة.
يجب أن تحضر دول الخليج «فورا» بأكثر من مندوب لتتفاوض مع الأطراف كلها بما فيها الطرف الحوثي، لأن الحوثيين يدركون بأنهم لا يستطيعون أن ينفردوا بالقرار في اليمن لوحدهم، فهم منهكون من الاستمرار لوحدهم، بل مستعدون لقبول صيغة سياسية وفاقية تسمح لهم بالخروج من عنق الزجاجة التي وضعوا أنفسهم فيها.
دول الخليج، والسعودية تحديدا، لديها الكثير من الأوراق التي تستطيع لعبها في اليمن أكثر من إيران، فالإيرانيون يستطيعون فقط أن يتمكنوا متى ما تركنا لهم الفراغ، وهذا للأسف ما فعلناه في اليمن، لم نتابع تنفيذ المبادرة الخليجية، وبالتالي أحدثنا الفراغ مثل ما أحدثناه في العراق فاستلمها الإيرانيون على طبق من ذهب، ولو أن لنا حضورا خليجيا وعربيا في لبنان لما استفرد حزب بالله بمصير لبنان، لكن في الجانب الآخر عندما كنا حاضرين وبقوة في البحرين لم يستطع الإيرانيون النفوذ والسيطرة هناك.
الحريق الذي يعاني منه اليمن يستوجب تدخلا من السعودية، فهي الأقدر والأجدر لوضع حد لنار الفتنة التي أشعلها الحوثيون، وهو واجب لم تتوقف عنه المملكة في الماضي حتى تتوقف عنه الآن، باعتبارها الجار الأكثر تأثرا بما يدور في اليمن، والبلد الأكثر إدراكا بمجريات وتشعبات السياسة اليمنية.