تزداد أهمية هذه الوزارة، في بلدنا الصحراوي الجبلي الساحلي والمترامي الأطراف يوما بعد يوم، خصوصا مع قلة وسائل المواصلات البديلة، والتي قد لا تعنيني في مقالي هذا المختص بالنقل البري، فلو كان الأمر بيدي في شأن تعيين وزير النقل لاشترطت ألا يتم اختياره إلا بعد أن يخضع لاختبارات قدرات ميدانية تمكنه من معرفة دقائق واجبات منصبه، وأولويات ما هو مطلوب منه، ومن الأسفل للأعلى.
سأطلب منه مذاكرة جميع عيوب النقل البري الحقيقية، والتي يعاني منها جميع من يعيش على هذا الوطن. وعليه فسأخضعه ولمدة شهر من الزمان لدورة مشاوير دوارة، ليتفكر في الحلول المختارة، قبل أن يصل إلى كرسي الوزارة.
سوف أكلفه خلال ثلاثين يوما أن يتجشم قيادة سيارته بنفسه، وبمعدل لا يقل عن أربع ساعات يوميا، وهذا هو القدر المتوسط من الوقت الذي يقضيه المواطن المتوسط الحال على طرقات مدينته أو على طرق ربوع بلادي.
سأطلب منه أن يقود يوما في شوارع إحدى مدننا الضخمة المزدحمة، ويوما على أحد الشوارع البرية القاتلة، التي تربط بين المدن والقرى والهجر.
نعم، وسأطلب منه أن يقود سيارة متوسطة الحال، وليست فارهة تمتص المطبات الخارجية وتحولها إلى دغدغة داخلية للشرايين، ومساج لفقرات الظهر؛ نعم فأنا أقصد إحدى تلك السيارات المهلهلة، والتي تسمع أصوات طقطقة حديدها ومفاصلها وكوابحها المفككة أثناء دورانها بالشوارع، وحاجة سائقها للتوقف عند كل ورشة تقابله للتأكد من أن المقصات ما تزال في مكانها.
سنطلب منه أن يعايش مشاريع مدن العجب العجاب، والتي ما إن ينتهي فيها شارع، ويلمع ويقص شريطه حتى تبدأ الجرافات باستكمال الباقي وبشكل عكسي، بالنقر، والبقر، والهدم والردم.
سنطلب منه أن يغادر منزله فجرا وأن يقوم بإيصال أبنائه وبناته إلى مدارسهم، على أن يكون في عمله قبل الساعة السابعة والنصف.
سنطلب منه أن يتمتع بالقيادة على الطرق الطويلة بين المدن والقرى الصغيرة كما تمتعنا طويلا، وفقدنا الكثير من أحبتنا، فلم نكن ندرك هل العيب من السيارات، أو من عدم معرفتنا بالجلوس الأمثل على مقاعدها!.
سنطلب منه النزول من عقبات السروات، ومغالبة ضيقها وانحداراتها المخيفة، وتحويلاتها القاتلة، بعد كل سيل.
سنطلب منه أن يتخارج مع المطبات المعترضة وسط الشوارع وكأنها قطعان من الجمال النائمة.
سنطلب منه أن يسمع شكاوى المتضررين من المشاريع المعطلة، ومن مقاولي الباطن المفلسين، وويلات من تضررت بيوتهم ومشاريعهم جراء قفل شوارع تعيسة، وفتح تحويلات ثعلبية حلزونية.
سنطلب منه أن يرضى أثناء سفره على الشوارع الطويلة بأي خدمات ودورات مياه واستراحات يقابلها دون تشرط.
وبعد اجتياز الاختبار بنجاح ربما أخضعه لاختبارات أخرى حسب وسائل النقل المتوفرة.
أعرف ما الذي سيقوله الوزير الحالي المهندس عبدالله المقبل، وكيف أنه سيحمد الله أن الأمر ليس بيدي.
اختبار وزير النقل
شاهر النهاري3 دقائق للقراءة

حجم الخط
