هل تستقيم صياغة العنوان أو حتى «صياعته»؟ ومع ذلك أقول إن العنوان لم يكن يتسول إثارة أو حتى جزالة، ولم يكن بالأساس من بنات أفكاري، أو أملك حق الولاية عليه، فهو وللأمانة كلام سمعت به في صيغ متفاوتة، وقمت بتحويره قليلا، وبتصرف بسيط، فهو – العنوان - يكاد يكون (أيقونة) ثابتة للأحاديث التي أسمعها، عندما يكون الحديث عن الفساد الإداري أو استغلال النفوذ، أو بقية الأشياء التي تقسم (نزاهة) أنها تؤدي إلى الجحيم، فمثلا المهندس الوافد يقول الراوي بأنه يأخذ عمولة (الاسم الفني المستعار للسيدة رشوة) مقابل الأعمال التي هي من صميم عمله بالأساس، فقلت للراوي لم لا تبلغ عن هذا المرتشي كواجب وطني وأخلاقي، فقال إن المبلغ الذي يتقاضاه كعمولة متواضع جدا، أضف لذلك – والكلام ما زال للراوي – أن هذا الوافد كبير بالسن ويعول عائلة كبيرة في بلده.. ثم أخذ الراوي ينقلني من عاطفة لعاطفة، حيث ختم موال تعاطفه بالجملة: (والرجل محبوب ومشهود له بالأخلاق الطيبة، فحرام أقطع رزقه)، وأصدقكم القول إن خاتمة مقولته جعلتني لوهلة أشعر أنني بلا إحساس، ومرت سريعا بذهني عبارة (قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق)، وتخيلت أن أكون سببا بقطع رزقه، وتخيلت أطفاله وهم يتضورون جوعا بعد أن تسببت أنا بفقدان والدهم لمصدر دخله الوحيد، وأظنك أيها القارئ تعاطفت أيضا وشتمتني، ولك الحق في ذلك، فهنا تحديدا تحولت (الصياغة) إلى (صياعة)، فالعزف العاطفي جعلنا نركز على كلمة الرزق حتى كدنا ننسى أننا نتكلم عن مرتش، ونستطيع أن ننحي العاطفة جانبا ونستمر أيضا في الإقناع، فنقول إن الرجل يتقاضى ثمنا بخسا لا يستحق أن نتوقف عنده، وأيضا هو لا يجبر أحدا على ذلك، والأهم أن ما يقوم به لا يضر الآخرين، (أجل ليس نقطع رزقه؟)، وضرب صاحبنا الراوي مثالا آخر يدل على الإنسانية والإحساس بحاجات الناس، عندما تم توظيف أحد المتسابقين على الوظيفة، رغم أنه الأقل مؤهلات من الآخرين، فيقول صاحبنا ويقسم إن قرابة الموظف للمدير لم تكن هي السبب لقبوله ورفض من هم أحق منه، لكن السبب أنه كان وحيد أمه، والعائل الوحيد لإخوته الأيتام، ولهذا يعتبر (قطع رزق هذا المسكين جريمة لا إنسانية بكل المعايير)، ولو قلت: وماذا عن الأحق بالوظيفة ألم تقطعوا رزقه؟ لجاءتك الإجابة فنتازية، أو هي الفنتازية تمشي على قدمين: وكيف نقطع رزقه ونحن لم نوظفه أصلا؟
وتستمر حكاياتنا المشابهة بحبكتها العاطفية التبريرية حتى يختلط الحابل بالحابل، ولا نجد السيد (نابل) ليفكك لنا هذا اللبس، فنهرب للمنطقة الآمنة ونكثف عاطفتنا بما يريح، فنختزل الخطايا بمآلات التبرج ومآلات سماع الموسيقى و«ومالت علينا»!