أيا كانت الأسباب التي أخرت قيام المشروع السني في مواجهة المد الشيعي المتنامي في المنطقة، فإن المنطق الديني والسياسي والأمني يحتم قيامه وخروجه إلى الواقع في أسرع وقت، وبأوضح صورة، فما خسرته المنطقة، ودول الخليج على وجه الخصوص، في الفترة الماضية كبير جدا، وإن كان هذا المشروع المطلوب سيقع تحت عنوان السنة فإن ذلك لا يعني بالضرورة اتكاءه على البعد المذهبي فقط في مواجهة التمدد المذهبي الشيعي، وإنما يعني أيضا حلفا مصلحيا طبيعيا تحتمه الوحدة المذهبية والروابط التأريخية والمشتركات الحياتية والسياسية والاقتصاد والحدود الجغرافية.
والمملكة العربية السعودية هي الدولة الوحيدة المؤهلة لقيادة هذا المشروع السني الذي ينتظره الجميع، والذي بات اليوم الضمانة الوحيدة للمحافظة على أمن المنطقة ووحدتها في مواجهة التغول الإيراني السياسي والعسكري، والمذهبي بطبيعة الحال، وليس بعيدا عنا أحدث حلقات هذا التغول وهو ما يجري على الساحة اليمنية عبر المخلب المحلي لإيران في اليمن، وهو جماعة الحوثي ومن دار في فلكها، وهو الأمر الذي فاق قدرة الجميع على اختلاف توجهاتهم على الصبر والاحتمال.
وإذا كان البعض يتعلل على الدوام في رفضه لبعض التوصيفات للواقع السياسي في اليمن والعراق وسوريا وحتى في البحرين، بنبذه للطائفية وخوفه من الانزلاق في اتجاهها، فلعله يطمئن، فلن تمس عقلانيته ومدنيته الموهومة، لأن الطائفية قد كفته هم نفسها، فجاءته بكل بشاعتها لتدخل عليه عقر داره أو تكاد، وهي وأزلامها يتحينون الفرصة لإدخاله في الحظيرة هو الآخر مع البقية التي أدخلت فعلا.
ومع كل ذلك فقد يؤول المشهد في اليمن إلى سقوط المخطط الحوثي الإيراني، وقد ينتهي بشار الأسد وشركاؤه في أي لحظة، وهذا كله يحتمله التحليل السياسي وله شواهده، ولكن ليس في المفهوم الشرعي ولا في المنطق السياسي أن نقف بانتظار تحقق ذلك يوما من الدهر، وإنما واجبنا الذي يعذرنا به التأريخ هو أن نبادر إلى الفعل والمبادأة، ولو لم يكن من وراء ذلك إلا تجنب دفع هذه التكاليف الباهظة، التي ندفعها كل يوم، لكان ذلك كافيا في استنهاض الهمم وتحريك المواقف الجامدة، أما إذا لم يكن ذلك التحليل صادقا واقعا، وجرت الأمور بخلافه فمن سيكون المسؤول حينها لو وقع المحظور واستمر لعشرات السنوات وابتلع الخيرات وأورث الفتن وحرف أجيالا من الأمة عن المنهج الحق.
إن المراهنة الخطرة على أمن وسلامة هذه المنطقة لا يقبله عاقل، ولا يجوز أن يكون محل نقاش أو رأي، فضلا عن أن يكون محل تراخ وتسويف، بل الحال الماثل يقتضي الاجتماع ولو على الحد الأدنى من أسباب التوافق بين السنة دولا وجماعات وشعوبا، لأن الخطر المحدق يطال الجميع، فهل سنرى هذا المشروع قريبا.