(سياسة الضواري: تشتيت القطيع لافتراسه فرادى).
إن نحن ألقينا نظرة متفحصة على الخريطة العربية الراهنة، لتأكدت لنا حقيقة واحدة، ينبغي لنا أن ندركها، وندرك أبعادها، كما يدركها خصومنا في الإقليم، ويدركون أبعادها؛ إن النواة العربية الصلبة التي تستعصي – حتى الآن - على التفتيت، وتحافظ على فكرة (رابطة العروبة) قائمة عمليا حتى الآن، مكونة من دول الخليج – فيما عدا قطر - ومصر.
ولأن تلك النواة بدت منيعة تجاه المحاولات المتكررة لكسرها، ولأنها تكاد أن تكون الأمل الوحيد المتبقي أمام هذه الأمة المنكوبة في ماضيها وحاضرها، فإنها تمثل همّا مؤرقا لكل الذين يريدون للوطن العربي ألا يكون وطنا وألا يكون عربيا!
فما أحلى وأشهى أن تبرد الأجواء الأخوية الدافئة بين مصر وشقيقاتها الخليجيات، بل إن الألذ مذاقا في أفواه أعداء العرب والعروبة، أن ينشب بين ضفتي البحر الأحمر العداء المعلن أو الخفي، وأن تُترك مصر وحدها لمصيرها لقمة سائغة لإرهاب الإخوان وعملائهم، وأن يُترك الخليج وحده لمصيره لقمة سائغة لإيران وللإخوان ولعملائهما.
ولأن محاولات الوقيعة لم تُجد، رغم أنها مستمرة بلا انقطاع منذ أطاح المصريون بحكم الإخوان، وهي محاولات تنوعت تنوعا هائلا يوحي بسعة الخيال الشيطاني للقائمين عليها، تغيرت الاستراتيجية، وصارت تعتمد اعتمادا شبه تام على استخدام التكنولوجيا التي تمتلك أحدث معداتها المحطات الفضائية اللقيطة التي تبث غالبا من تركيا، فضلا عن الحاضنة الكبرى لهذا المشروع الخبيث، الجزيرة القابعة في الدوحة، استنفرت تلك الفضائيات الممولة تمويلا سخيا بعوائد الغاز، كل مهاراتها، لتلفيق تسجيلات صوتية لقادة مصريين، يمس كلامهم صلب العلاقات المصرية الخليجية مساسا أليما، يكفل تقويضها، أو تعكير صفوها على أقل تقدير.
وقبل ذلك تصيدت تلك القنوات الفضائية الدساسة الفتانة، حديثا لإعلامي مصري، يدعو فيه لتأسيس العلاقات المصرية السعودية على المصالح المشتركة، لتقيم المآتم واللطميات، متحدثة عن نكران الجميل الذي يتعامل به المصريون مع السعودية التي وقفت بصلابة إلى جانب مصر في أزمتها الاقتصادية الخانقة..!
ولنا على تلك السموم ملاحظات نفندها، ولعلها تكون الترياق الشافي..
أولا: على الإخوان في قطر وفي تركيا إدراك أن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان، هو شقيق الراحل الكبير الملك عبدالله، ولن يرضيه بالقطع الإساءة لذكرى أخيه النبيل، والتنصل من الاتفاقات الخليجية القطرية التي رعاها، وضَمِن تنفيذها.
ثانيا: تعي الشعوب قبل الحكام في مصر والخليج، طبيعة الحرب الضارية التي تشن ضدها على كافة الأصعدة؛ إعلاميا واقتصاديا وسياسيا وميدانيا.. إلخ، وتدرك أن الأمل في الصمود يكمن في التوحد لا التشرذم، وأن الإنصات إلى غربان الوقيعة يوردنا جميعا موارد الهلاك.
ثالثا: على أهلنا في الخليج التحلي بأقصى درجات ضبط النفس في مواجهة حملات التشكيك والوقيعة الإخوانية، إذ ما الذي ينتظره الخليجيون وما الذي تتوقعه مصر من عدوهم المشترك الذي يثبت لا أخلاقيته كل يوم؟
ما الذي ننتظره إلا الكذب والتلفيق في سبيل المرشد؟
وكما قال الكاتب الكبير مأمون فندي فإن «تسريبات السيسي عن أهل الخليج يحكم عليها أهل الخليج، فهم لديهم فراسة العرب في معرفة الحقيقة من الغش، وفراسة البدوي في التمييز بين الماء والسراب».
رابعا: قبل أن أصدق (تسريبا) أتساءل أولا عن مصلحة ناشريه، وأمنح عقلي مسافة أمان كافية من احتمال التلفيق قبل المسارعة إلى التصديق.
خامسا: ما تزال القوى الاستعمارية الكبرى تنتهج معنا – نحن العرب - نهجها القديم، وإن بأساليب حديثة، وشعارها الذي لم تغيره منذ القرن الثامن عشر الميلادي هو (فَرّقْ تَسُدْ) وهو ما ندركه، ونتحسب له بقدر الاستطاعة، فنفشل غالبا، وننجح أحيانا في صيانة روابطنا القومية..
لكن الذي لا يدركه بعض العرب الذين تخصصوا في العمالة للغرب، وصاروا أعداء لكل ما هو عربي، ودعاة للفرقة والوقيعة والفتنة بين الأشقاء، أن الشعار يتحول بين أياديهم الخائنة إلى (فَرّقْ تَمُتْ)، لأن قطيع الذئاب سيفترسهم هم مباشرة بعد أن يفرغوا من أداء دورهم المدنس في خدمة أعداء العروبة.