نجح مرشح أحزاب المعارضة التركية لانتخابات رئاسة الجمهورية أكمل الدين إحسان أوغلو في امتحانه الأول والأصعب بالوقوف أمام الإعلام التركي للتعريف بنفسه وبحملته الانتخابية والشعارات التي سيعتمدها والمسائل التي سيركز عليها خلال شهر من المنافسة مع رجب طيب إردوغان مرشح العدالة والتنمية، وصلاح الدين دميرطاش مرشح الشعب الديموقراطي الكردي.

الخبز والزرع

الشعار الرئيس لحملته الانتخابية التي قال إنها لن تشمل مهرجانات خطابية بل جولات وزيارات ولقاءات مع الفعاليات السياسية والعمالية والاجتماعية، سيكون أولا في قلب النقاشات السياسية في الأيام المقبلة. فهو تبنى عبارة «من أجل أكمك (بالتركية تعني الخبز والزرع) أكمل الدين» وهو شعار سيستفز إردوغان وحزبه الذي يقول إنه حقق إنجازات كبيرة في الداخل والخارج، لكن أوغلو جاء يقول شيئا آخر من خلال دعوته الناخب التركي للتصويت للقمة عيشه ودعمه لمشاريع يريد أن يضع حجر الأساس لها خلال فترة وجوده في قصر الرئاسة بالتعاون مع الحكومة الموجودة ودون الدخول في أية مواجهات معها.
وتعهد أوغلو بإزالة كل أنواع الإقصاء والاستقطابات التي يجري الحديث عنها في تركيا، مشيرا إلى أنه انطلق في حملته الانتخابية «لزرع بذور المحبة، والاحترام، والوحدة، في حقل تركيا الكبير، والتخلص من الأعشاب الضارة، ونزع بذور الكراهية التي يشتكي منها المواطنون». وأشار في مؤتمر صحفي عقده في ولاية أدرنة، شمال غرب تركيا أمس الأول إلى أنه لمس خلال لقاءاته رغبة قوية في التغيير لدى الشعب، مؤكدا أن «وظيفة رئيس الجمهورية توفير الرخاء للشعب، والارتقاء بسمعته خارج البلاد، وزيادة كمية الخبز على مائدته».
وشدد على أن «وحدة الدولة خط أحمر، ولا يمكن تجاوزه، ووحدة الشعب، والدولة، والوطن، والعلم، واللغة الرسمية، أمور فوق مستوى النقاش»، مضيفا «هناك طموحات أخرى تقف وراء تلك النقاشات، لكن الشعب سيفشل كل تلك الحسابات في 10أغسطس (موعد الانتخابات الرئاسية التركية)».
أوغلو الذي انتقد قصر المدة التي ستشهدها الحملات الانتخابية والتي لا تتجاوز الشهر الواحد، سيغضب إردوغان أيضا لأنه ضرب على الوتر الحساس إذ قال إنه مع النظام البرلماني المعتمد في الدستور الحالي وسيلتزم به وإن خيار التمسك بهذا النظام وعدم تغييره هو الأفضل لتركيا في هذه المرحلة وإنه لا يمكن لأي كان أن يتجاوز الصلاحيات المحددة له في الدستور والقوانين وهي رسالة مباشرة لإردوغان يدعوه فيها لعدم الدخول في مغامرة النظام الرئاسي قبل تغيير الدستور والحصول على دعم الأتراك.

رؤية ناقدة

مرشح المعارضة التركية إحسان أوغلو الذي تحدث مطولا عن تجاربه في السنوات الأخيرة في مجالات التدريس الجامعي والتأليف وجهوده التي يبذلها للتعريف بتركيا وتحسين علاقاتها مع الخارج والدفاع عن مصالح العالم الإسلامي، انتقد أيضا إردوغان دون أن يسميه في إيصال علاقات تركيا الخارجية مع العديد من الدول إلى هذه النقطة من التأزم، سفارات مغلقة، علاقات تجارية تتراجع اتهامات لتركيا بالتدخل في شؤون جيرانها. وأضاف «من الأفضل اليوم اعتماد لغة جديدة وأسلوب جديد في إدارة السياسة التركية الخارجية بعيدا عن المزاجية والتحدي والتصعيد».
وانتقد أوغلو محاولة البعض في الإعلام التركي كتابة ما لم يقله واستخدام عبارات لا تعود له أو تفسير كلامه بطريقة خاطئة وأشار إلى أنه لم ينتقد سياسة العدالة والتنمية في الموضوع الفلسطيني أو الوقوف إلى جانب أهل غزة وأنه عندما دعا الحكومة لاعتماد الحيادية في التعامل مع القضايا الخارجية كانت غايته التركيز على عدم التدخل في الشؤون الداخلية لهذه البلدان التي أوصلتنا إلى هذه النقطة.

مهمة صعبة

إجماع في صفوف المتابعين على أن مهمة مرشح المعارضة التي تشمل 5 أحزاب بينها اليساري واليميني والقومي على السواء في غاية الصعوبة، إذ ركز على شعارات سيتبناها ويدافع عنها في حال وصوله لمقعد الرئاسة ومنها العدالة والديموقراطية والحرية والابتعاد عن أسلوب التحدي والتصعيد والاستفزاز والمحسوبيات. لكنه رفض أسلوب الحكومة في التعامل مع العديد من الأزمات الداخلية التي عاشتها تركيا في العام الأخير مثل أحداث «غزي بارك» وعمليات ديسمبر الماضي بين الحكومة وجماعة غولان قائلا «كان يمكن اعتماد أسلوب آخر يقوم على الحوار والاستماع إلى ما يقوله المحتجون وأن القضاء ينبغي أن يكون مستقلا وقادرا على قول الكلمة النهائية في كل ما يجري» وهي مسائل قد تكون كافية لدخوله في خلاف سياسي مباشر حول المواقف مع إردوغان وحزبه.
إحسان أوغلو قال إنه كان بين من دفعوا الثمن في أحداث 28 فبراير 1997 الشهير في تركيا عندما تحركت المؤسسة العسكرية لتوجيه رسائلها ضد نجم الدين أربكان وحكومته، وأنه بسبب وقوفه إلى جانب الطالبات المحجبات في الجامعة وتدريس مادة التاريخ الإسلامي في عهد الإمبراطورية العثمانية تعرض للتحقيقات والكثير من المضايقات.
لكن علي بيرم أوغلو الإعلامي التركي يرى أنه قال كلاما جميلا وأنه لو تقدم للانتخابات في 2007 عندما كان البرلمان التركي هو من يختار الرئيس لكانت حظوظه كبيرة لكن الوضع يختلف اليوم، وهناك استقطاب سياسي وشعبي قائم في تركيا لا يمكن تجاهله والمعركة هي معركة سياسية حزبية لذلك فإن مهمته ستكون صعبة جدا.

تعزيز المواقع

الإعلامي مراد يتكين يشير إلى أن المعارضة التي التفت حول أوغلو ستحاول تعزيز مواقعها قبل الذهاب للانتخابات البرلمانية المقررة في الصيف المقبل وأنها ستستفيد من دروس الانتخابات الرئاسية للاستمرار في التنسيق الانتخابي الذي بدأته في مارس الماضي إبان الانتخابات المحلية الأخيرة وتريد الاستمرار فيه إذا ما نجحت في إجراء انتخابات الرئاسة في محاولة لإسقاط إردوغان وحزبه.
لكن أيوب جان (إعلامي آخر) شارك في متابعة انطلاق حملة إحسان أوغلو، يقول «الخطورة في المرحلة المقبلة هي إذا فشل أوغلو في تحسين وضع المعارضة التي التفت حوله ولم يعزز من أرقامها في الانتخابات، لأن ذلك سينعكس مباشرة على الانتخابات البرلمانية المقبلة في يونيو والتي ستدفع قواعد أحزاب المعارضة إلى التحرك للمطالبة بتغيير قياداتها التي قبلت هذه المغامرة وعليها أن تدفع الثمن بالتنحي مما سيعطي العدالة والتنمية فرصة أخرى للاستمرار في قيادة الدفة لعقد آخر على الأقل».

كسر عظم

إحسان أوغلو وفي رده على انتقادات حول عدم معرفته بالسياسة اليومية ومتابعتها في تركيا قال إنه ربما لم يأت من قلب العمل السياسي لكنه يتابع السياسة عن قرب وهو على صداقة بالجميع والعديد من الأحزاب ومنذ السبعينات عرضت عليه الالتحاق بها مثل الحزب الديموقراطي والطريق الصحيح والوطن الأم والعدالة والتنمية، لكنه اختار مجال العلاقات الخارجية والمنظمات الدولية وخدمة تركيا بهذه الطريقة، وهو غير نادم إطلاقا على خياره هذا.
أوغلو الذي قال إن إردوغان يستفيد من فرصة وجوده في السلطة خلال هذه الحملة الانتخابية وإن الإعلام الرسمي تحت تصرفه وإن العدالة والتنمية يريدها معركة كسر عظم مع المعارضة في حين إنها معركة انتخابات رئاسة جمهورية، يقول أيضا إن الناخب التركي يعرف جيدا كل شاردة وواردة وإنه لمس وجود رغبة التغيير لدى المواطن وإن استطلاعات الرأي بدأت تتغير رويدا رويدا، فهل يحقق المفاجأة؟