السيد أمين عقيل عطاس الهاشمي المكي الحسيب النسيب، شخص مكيّ فاضل عرفته منذ عشرات السنين، إلا أن صلتي به توثقت منذ ما يقرب من خمسة عشر عاماً. عندما تم اختياره رئيساً لجمعية تحفيظ القرآن الكريم بمكة المكرمة، واختارني هو بإلحاح أن أكون مديراً لإدارة الجمعية خدمة لكتاب الله تعالى. وكانت هذه المهمة المباركة مفتاحاً لأتعرّف به عن كثب، فازددت بهذه الشخصية الكريمة المباركة الفاضلة معرفةً، وتلقيت منه كثيراً من النصائح والتوجيهات استفدت منها فوائد عظيمة في حياتي الاجتماعية. ولقد وجدت في هذا الرجل الفاضل شخصاً صالحاً تقيّاً، فهو رجل دين وأدب وخلق قويم، مع قوة في الشخصية وحسن سمت ورجاحة عقل. تلقى العلم وتعلّم الأدب منذ صغره على كبار علماء مكة وأئمتها وفضلائها في مدارس مكة العريقة ومجالس أهل العلم ودور التربية. ثم التقى بعدد كبير من علماء العالم الإسلامي وفضلائه واستقى منهم وأخذ منهم كثيرا أمثال الشيخ محمد نور سيف والسيد علوي مالكي والسيد محمد أمين كتبي وغيرهم من علماء مكة والشيخ محمد متولي الشعراوي وغير هؤلاء كثير، وكان يستضيف كثيرا منهم في داره ويتولى خدمتهم بنفسه وأولاده، أكسبته كل تلك الأمور ثقافة عالية ومعرفة جيدة بأمور الدين والدنيا والآداب الفاضلة وأحوال السياسة والأمور الاجتماعية وغيرها، فضلاً عن الصلاح والاستقامة والأدب الرفيع. فقد كان محباً لله ولرسوله ولصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلّم وأولياء الله الصالحين وأئمة المسلمين. لقد كان صاحب رأي سديد إذا استشير في الملمّات، فتراه يبذل لك من تجاربه وخبرته وفكره القويم ما تستنير به في أمرك، وكان لا يتردد في النصح الصادق لك ولا يحجب عنك ما لديه من خبرة أو رأي أو مشورة صحيحة. فقد كانت داره مقصداً للزائرين من أحبائه أو أصحاب الحاجات فتراه حسن اللقاء لهم جميعا، سواء كانوا طالبي حاجه أو مساعدة أو أصدقاء أو رفقاء، فكان لا يستصغر إنساناً مهما كانت مرتبته وضيعة ولا يحتقر أحداً، ويقدّم له ما أمكنه من عون ورأي ومشورة ومساعدة مالية أو معنوية. يبستم للشريف والوضيع ويظهر حسن البشر لكل من يلاقيه، ويخاطبهم بأجمل العبارات، وأحسن الألفاظ، حتى مع خصومه ومناوئيه. هذا مع أنه ذو نسب وحسب رفيع، وتولّى مناصب عالية في الدولة، وكلّف بمهام جسيمة، أدّاها على أفضل ما كان، مما جعلته في مكانة اجتماعية ودينية رفيعة في داخل البلاد وخارجها. كان يمتاز بسعة الصدر فكم من سفيه أساء إليه، وكم من معتوه تجرّأ عليه، وكم من صاحب نفوذ تجاوز على حقوقه، فجابه كل ذلك برباطة جأش وتوازن في الردّ، وتعامل معه بعقل راجح وأدب حسن. هذا مع قوّة في الشخصية، وشجاعة في إبداء الرأي، وعزّة نفس عالية. لقد كان رجلا كريماً شهماً مقداماً، يسعى جاهداً - إن قصد - في إصلاح ذات البين، ويشفع لأصحاب الحاجات، ويقف في الملمّات. كان باراً بوالديه، حتى أني سمعته يقول إن أبي عندما كان في مرض موته وهو في غيبوبة يلهج بلسانه ويقول: «الله يرضى عليك يا أمين». لقد اجتهد في خدمة الإسلام والمسلمين في العالم من خلال منصبه في وزارة الحج ثم في رابطة العالم الإسلامي، فرحل إلى بلاد عديدة وحضر كثيراً من المحافل الدولية، وشارك في كثير من اللجان والأعمال الجسيمة، خدمة للإسلام والمسلمين. ثم تولى رئاسة جمعية تحفيظ القرآن الكريم، فقام بخدمة كتاب الله تعالى بإخلاص وصدق، وتولى رئاسة الجمعية الخيرية بمكة المكرمة ليسعى في مساعدة العائلات الفقيرة والأرامل والمساكين من أهل مكة المباركة حتى أتاه اليقين. فحري بمثله أن يبقى خالداً في قلوب الناس، ويُلهج بالدعاء له على مدى الأيام والسنين.
وفاء وذكرى
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
