سقطت الأندلس وتقهقرت القوة الإسلامية وتحولت من الهجوم إلى الدفاع حتى في وجود القوة العثمانية الناشئة التي كانت تضغط على حدود أوروبا الشرقية وتحقق انتصارات حاسمة، وفي نفس الوقت كانت أوروبا تتقدم بخطوات كبيرة للسيطرة على العالم خاصة مع الاكتشافات الجغرافية التي امتدت لأفريقيا وآسيا والأمريكيتين.. وكانت عجلة الإنتاج الصناعي قد بدأت الدوران في أوروبا فتم نقل المواد الخام من أفريقيا إلى أوروبا فكان الصمغ يأتي من السنغال وأخشاب الكامي من سيراليون والعاج من موزمبيق.. وتم اكتشاف الذهب والفضة والمنتجات المدارية في الأمريكيتين.. لكن ظلت عجلة الصناعة والتجارة الأوروبية في حاجة إلى أيد عاملة قوية تستطيع العمل والإنتاج فتحولت أفريقيا إلى أكبر مورد في التاريخ للعبيد.. على عكس الأمريكيتين لعدة أسباب، فالهنود الأصليون كانت مقاومتهم للأمراض التي جلبها الأوروبي معه ضعيفة، فأبيدت قرى ومدن بأكملها بالجدري.. كما أنهم كانوا يعيشون على الصيد والقنص ولم تكن لهم دراية ولا قوة على المجهود المنظم للزراعة والصناعة.. ولذلك تحولت معارك البيض الأوروبيين معهم إلى معارك إبادة، فأبيد السكان الأصليون من الهنود في عدة مدن وتجمعات في كوبا وهيسبانيولا.. ولأن عدد السكان الأوروبيين لم يكن كافيا لبناء نهضة زراعية صناعية والسيطرة على العالم خاصة الأمريكيتين بعد إبادة سكانهما.. كان الأفارقة هم وقود هذه النهضة.. وبدأت أكبر حركة لانتقال العبيد بين القارات لتتحمل أفريقيا العبء الأكبر في ذلك ولتصبح السلعة الأكثر رواجا هي سلعة البشر المستشرقين.. وساعد على ذلك الاختلافات العرقية الشديدة بين القبائل الأفريقية في كل أفريقيا.. فمع وجود اختلافات سياسية وعرقية في أوروبا فأي خلاف بين دولتين أوروبيتين كان يحل حتى لو بالحرب، أما في أفريقيا فقد انعكس الخلاف العرقي على زيادة تصدير العبيد إلى أوروبا حتى أن دولة غينيا بيساو الآن، حوت اثنتي عشرة مجموعة عرقية مختلفة فيما بينها، حتى أن البرتغال وهي الدولة المحتلة سمتها «جنة تجارة الرقيق» لاستفادتها الشديدة من الاختلافات العرقية فيما بينهم، نعم صدرت أفريقيا أولادها عبيدا ليكونوا وقود الحضارة الغربية الناهضة لتقفز أوروبا قفزات قوية في طريق التقدم والسيطرة، ولتعاني أفريقيا بعد ذلك وحتى الآن وتدفع ثمن ما قدمته من صحتها ونهضتها وقوتها، ولا تعويض رغم أن قوانين الأمم المتحدة والاتفاقات الدولية تلزم الدول بأن تقدم تعويضا للشعوب التي استعمرتها وأضرت بها.. ولكن لا تعويض لضعيف فقير حتى يقوى ويستطيع أن ينال حقه بيده.
تجارة الرقيق.. ولا عزاء للضعفاء
عصام موسى2 دقائق للقراءة

حجم الخط
