أذكر في إحدى دورات العلاقات العامة قبل عشر سنوات تقريباً، كان مسؤول العلاقات العامة بالهلال الأحمر السعودي يعرض تجربتهم وأهداف إحدى الحملات التي لم يكن يعرف عنها أحد، وكان هدف الحملة إشهار رقم الهلال الأحمر ليكون في متناول ومعرفة الجميع.
لم يكن يعرف الرقم المخصص للإسعافات العاجلة أثناء ورشة العمل أكثر من موظفين وبالصدفة!
لو أعدنا سؤال ورشة العمل الآن من يعرف رقم الهلال الأحمر سنكون عرضة للتخمين أكثر بسبب تشابه الأرقام المخصصة للجهات التي تقدم خدمات للمواطنين (الشرطة، الدوريات الأمنية، الدفاع المدني، المرور، طوارئ الكهرباء، الهلال الأحمر السعودي... إلخ)!
ناهيك عن الخدمات التي تقدمها هذه المؤسسات ومدى الحاجة لها وقدرتها على تطوير آليات العمل فيها وسرعة تقديم الخدمات ومدى الرضى الذي تتمتع به لدى المواطن أو المستفيد من خدماتها.
قبل ليلتين، أصيب أحد جيراني (يحكي ع. م) وصادف ذلك تواجدنا قرب شقته منتهين من صلاة التراويح، اتصلنا على الهلال الأحمر (لا زلنا نسميه الإسعاف) ولم يحكِ عن الوقت الذي استغرقه وصول عربة الإسعاف.
كانت حالة الرجل، ونحن اثنان بجانبه، في غاية الصعوبة، حين وصول المسعفين، حاولوا أخذ العلامات الحيوية وأجلسوه على الأرض، لكنهم لم يستطيعوا أخذ الضغط لأكثر من أربع مرات متتالية.
يقول إنني سألتهم «ما السبب؟» فقالوا إن ذراع المريض أمتن من الجهاز، كان التعبير العامي الذي نقله لي (ع. م) أن رجل الإسعاف قال «يده كبيرة»!
يقول (ع. م) إنهم حين قرروا نقله سألوه (نروح للمستشفى؟) فقال (لا) سأرتاح وإن شاء الله خير، وقعوه على ورقة وتركوه، أدخلناه للشقة وأغلق الباب.
غداً، حسب (ع. م) يقول إنني اتصلت به وكان هاتفه يرن ولا يجيب، وقفت أمام باب شقته وضغطت الجرس ولم يُجِب أحد، اتصلت على هاتفه الجوال وسمعت رنينه ولكنه لم يُجِب.
يقول إنني خفت لكنني لا أستطيع أن أستنجد بأحد، فأبلغت المكتب الذي يؤجر البناية، بحالة الرجل.
بعدها بيوم اتصل بي صاحب المكتب لنفتح باب الشقة فاعتذرت وأبلغته أن يتصل بالجهات المسؤولة عن فعل ذلك، اليوم، كنا على الإفطار، وكان قلب (ع. م) مخدوشاً.
صحوت، كما يقول، على ضربات تكسير، كان الوقت ظهراً، صلّيت ونزلت، وجدت باب الرجل الذي تركـَـته سيارة الإسعاف، مكسوراً ونزلت لصاحب المكتب، سألته فبادرني «أحسن الله عزاك في الدكتور»!
كان الرجل وحيداً، ومات وحيداً وراء الباب بعد ترك المسعفين له بتعهد.
سؤال الأخطاء الإسعافية والمسؤولية الأخلاقية سيظل مؤجلاً، حتى نعرف من الهلال الأحمر السعودي ما حدود مسؤوليات المسعفين وتأهيلهم ودورهم في مثل هذه الحالات.
هل يحق للمسعفين ترك المريض وفقاً لرغبته بالرغم من حالته الطبية؟
هل تجهيز سيارات الإسعاف مناسب أمام حالة قال عنها المسعف أمام الشهود إن جهاز قياس الضغط «ما يركب» لأن يد المريض كبيرة؟!
هل يقوم الهلال الأحمر السعودي بدوره وهل نعرف حقوقنا أمامه وواجباته أمامنا؟
هل هذا الجهاز الحيوي يؤدي دوراً يليق بمؤسسة مرتبطة بحياة وصحة الناس؟
لا زلت أكرر اقتراحاً أجده سهل التطبيق، ويضع كل مؤسسة أمام واجباتها الوطنية.
لماذا لا يتم وضع مركز أمني وحيوي في كل حي من الأحياء، ما العوائق أمام تطبيق هذا الحل ولو بشكل مبدئي حتى يتسنى لنا التفكير بتطوير خدمات الأحياء.
مركز أمني وإسعافي لكل حي يحتوي على سيارة إسعاف لخدمة الحي مرتبطة بشبكة اتصال وسيارة دفاع مدني وسيارة أمنية، ويرتبط المركز بمكتب اتصال، ريثما نطور خدماتنا الأمنية التي يجب مستقبلا أن تحتوي على ربط مباشر بكل منزل من منازل الحي.
انتظار وصول الجهة المسؤولة أمام نقص في البيانات يؤدي حتماً إلى ارتكاب أخطاء وجرائم كان بالإمكان الحدّ منها لو طبقنا بعض الاقتراحات السهلة والبسيطة والممكنة.
لسنا اختباراً للموت حتى ننتظر كل هذا الوقت أمام كل هذا الإهمال أو عدم الاهتمام، وإن كان الأمر كذلك فليكن أن نعلن أن كل مواطن مسؤول مسؤولية مباشرة عن أخطاء ليست من مسؤوليته.
بلاغ رسمي ضد الهلال الأحمر
عادل حوشان3 دقائق للقراءة

حجم الخط
