وتعجب كيف تنعكس الصورة الباهرة الجميلة فترى حياة لا علاقة لها بالحياة لا من قريب ولا من بعيد.. إنه النقيض والفناء والعدم.. مدينة تحت المدينة، خبت فيها الأنوار وحالت ألوانها وغادرها نبضها.. تماما مثل مدن الاحتفالات التي تعمر بالحياة وتموج بالحركة.. تغمرها الألوان بمدرّجاتها المبهرة، فتزدان مثل كوكب الأحلام.. تظل هكذا حتى آخر ساعة من ليل أو نهار، قبل أن يموت فيها كل شيء!
ينفض الجمع وينقض البناء المترف الأبهة فتبدو سوْءة إنسان فقد ظله.. يعيش حياة لا تليق بإنسانية الإنسان الذي أنيطت به مسؤولية وشرف عمارة الأرض، لكنه تخلّى عن الأمانة وابتنى له صرحا يحاول أن يبلغ الأسباب، وخفي عليه أنه لن تستقيم للفرد حياة بمعزل عن مجتمعه الإنساني..
في أكبر وأهم مدن العالم وأكثرها تقدما ستجد صورة طبيعية وأخرى «نجيتيف.. كالفرق بين أن تنظر إلى «بورتريه» لشخصك الكريم، رسمه فنان محترف وصورة «أشعة» لهيكل إنسان، «وجهه عظام وسنونه من قُدّام»!
ما عاد الزمن وحده يكفي لقياس حضارة الإنسان، ولا حتى منجزاته في البر والبحر والجو.. طائرات ومدن عائمة وناطحات وعالم دنيوي دنا من صانعه حتى أخذ شكله المادي فتحوّل إلى مجسّم فاره بلا روح ولا لحم ولا دم!
أن تغادر إنسانيتك وتهجر بشريتك وتؤوي جحورا وأنفاقا ومسارب لكي يفترش أحشاء المدينة، ليس فيها من الحياة إلا فضلاتها وعوادمها وبقايا نفاياتها.. عالم من الأحياء يقاسمون مخلوقات أدنى جحورها ومساربها بعد أن لفظها وجه المدن الفارهة الراقية المتحضرة إلا من إنسانية الإنسان!
تلك هي القصة الزائفة للحضارة.. حضارة الصروح والجسور والأضواء والألوان، تنأى بأحيائها عن إنسانية الإنسان كلما تشرذمت وتطفلت وانفصلت عن نسيجها!