أعتقد بل أجزم أن أغلب الكتّاب، الصحفيين بالذات، قد سألوا أنفسهم هذا السؤال أكثر من مرة، ففي كل مرّة يُحبط الكاتب – وهو غالباً ما يُحبط – فإنه يلوك مرارة هذا الاستفهام، ولعلي أطرح السؤال بطريقة أُخرى: هل يوجد قارئ؟
الحقيقة أننا مع ثورة الاتصالات نكتب (لمتصفح) وليس لقارئ، ولهذا نلجأ معشر الكتّاب للبحث عن عناوين جاذبة، فنظن أنفسنا أذكياء بجذب القارئ، فيما الحقيقة أننا نمارس (تسوّل) المتصفِح عله يتوقف ولو قليلاً كي يسمع صوتنا ولو لمرة، رغم أن الكتابة في الشأن العام ليست توعوية للمواطن/القارئ، هي غالباً نقدية عن السلبيات التي يعاني منها المجتمع، أي أنها موجهة للمسؤول، فلماذا إذن نبحث عن القارئ رغم أننا نعلم يقيناً أن الحلول ليست بيده، هل يحاول الكاتب أن يؤثر برأي القارئ كي يكون تأثيره أقوى، فإذا كان الكاتب يعتقد أنه يستطيع أن يصنع أو يوجه الرأي العام فهو ما زال أسير وهم (البرج العاجي)، فالقارئ منذ زمن أدرك ليس فقط أنه لم يعد هناك من ينظّر برجا عاجيا، بل توصل لحقيقة أنه لا يوجد برج في الأساس، وأن الهالة التي توحي بأن أسماء المثقفين معروفة عند وزارة الإعلام والمالية هي خرافة كبرى، فلا بيانات لهؤلاء المنظّرين إلا في وزارة الإسكان (اللهم سكّنهم مساكنهم)، بعض القراء أيضاً يتوقع أن الكتابة في الصحف تعني مقابلا ماديا مُغريا للكاتب، ولدحض هذه التهمة التي أتمنى أن نُدان بها، ومن مبدأ الشفافية التي يُطالب الكتاب بها دوماً، فإنني أقترح على سعادة رئيس تحرير الصحيفة بأن ينشر أُجور الكتّاب، بشرط أن يُكتب بعد اسم الكاتب وقدر المكافأة رقم (الآيبان)؛ لثقتي بأن القارئ الكريم بعد معرفته لأجور الكتّاب، لن يتوانى في احتساب الأجر في شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النار!
أحد الزملاء الكتّاب قال إننا بلا قراء، وإننا – ككتّاب- نقرأ لبعضنا فقط، وهذا من باب التفاؤل، وإلا فالحقيقة أن القراء الحقيقيين لمقالات الكُتّاب هم (ثلاثة)، مدير قسم الرأي (يبدو أنني سأتورط!) فهذا يتمتع بجَلد وقّوة تحمل، فهو يقرأ حتى المقالات الركيكة، وسيئة الصياغة (كما يفعل الآن)، ويتسامح مع كل ذلك بشرط أن لا تقترب من الحمى، فمن طرائف الإعلام بالعالم العربي الكبير أن خطأ الكاتب يُحاسب عليه مدير قسم الرأي ورئيس التحرير والصحيفة بأكملها، رغم أن الصحف تكتب مسبقا إبراء الذمة في نصّه الشهير (رأي الكاتب لا يمثل رأي الصحيفة)، القارئ الثاني الحقيقي للمقال هو (المدقق اللغوي)، ولو عملنا إحصائية لأمراض المدققين اللغويين لوجدناهم يعانون من (القولون والضغط)، وفي أغلب الأحيان تضاف لهما (المرارة)، خاصة مع قراءة مقال لمثل كاتب هذه السطور الذي يرى أحياناً أن (الهمزة) بغض النظر عمّا قبلها لا يمكن لها إلا أن تكون على (كرسي)، وبعض (الهمزات) من مبدأ اللطف واللباقة والصدق أيضاً، لا بد أن تُكتب على (الواو) حتى لو كان (واو العطف)!
القارئ الثالث – قبل النشر- أيضاً هو القارئ الأخطر، فهو غالباً لديه من الأعمال ما هو أهم بكثير من قراءة مقالك، ومن فضل الله أن الكاتب لا يرى مقاله في هذا اللحظة العصيبة، فقد يتوصل- (مجرد كتابة اسمه تشعرني بالخوف) – إلى أن القارئ قد يفهم من صياغة المقال شيئاً بغير ما قصده الكاتب، أي أن قَدر الكاتب أن يكون مسؤولاً عن نوايا القارئ، إن حدث ذلك فأنت ستتشرف باتصال مفاجئ من مدير قسم الرأي لن يكون بحاجة أن يهيئك كالعادة بإيجاد مقال بديل، فتحاول أن تستوعب الصدمة بتمتمة: طيب عن ماذا أكتب؟.. فتسمع (طوط طووط) فيوحي لك الصوت بكتابة مقال سريع عن جامعة الدول العربية!