يبدو أن هناك مجموعة خيوط واهية تربط بين أعمال العنف الأخيرة في الفضاء السوفييتي السابق، وإراقة الدماء المستمرة في الشرق الأوسط، في مكان واحد، وقوة الاستعمار الجديد ومحاولة تأكيد نفسه في منطقة الشرق الأوسط التي لم يمض على حكمها وقت طويل، على الجانب الآخر، يتم الاستيلاء على مساحات واسعة من الأراضي من قبل جماعات متشددة وطائفية.
وحتى مع ذلك، فإن الصراعات جميعا تنبع من مصدر واحد مشترك، وهي تنتمي إلى مجموعة من الصراعات التاريخية الكبرى في جميع أنحاء العالم.
ويقول بنجامين ميللر في مقال نشرته “شؤون خارجية”: في كل الأحوال هناك عدم تطابق بين حدود الدول القومية والهويات الوطنية، عدم توازن بين الأمة - الدولة.
فالدولة هي مجموعة المؤسسات التي تدير السلطة على أراض معينة، أما الأمة فهي عبارة عن السمات المشتركة بين مجموعة من الناس مثل اللغة والتاريخ والدين والثقافة تجعلهم يمارسون الحكم الذاتي، وفقا لهوية هذه الأمة.
في بعض مناطق العالم يوجد نوع من التناسب الجيد بين الدولة - الأمة، بينما تفتقد المناطق الأخرى إلى هذا التوافق والانسجام حيث تنشط التطلعات الوطنية ويناضل المواطنون من أجل التحرر من الحكم الأجنبي والاستقلال أو الانفصال وربما الانضمام إلى دول أخرى مجاورة تتماثل هوية سكانها مع هويتهم ويشكلون معا أمة واحدة.

التجربة الأوكرانية

على سبيل المثال نجد أن أوكرانيا تعبر عن التناسب وعدم التوافق في نفس الوقت.
فالعديد من المواطنين الأوكرانيين يفضلون الاستقلال عن حكم الروس (الأجنبي)، بينما بعضهم الآخر يفضل العكس تماما.
والشيء الذي يذكر أن شبه جزيرة القرم وأيضا شرق أوكرانيا ترفض السيادة الأوكرانية (الأجنبية)، ويفضلون الانضمام إلى روسيا أو الانفصال عن أوكرانيا في دولة مستقلة والتحالف مع روسيا.
في بلد ضعيف يمكن هذا الخلل بين دولة ودولة أخرى، أن يؤدي إلى صراعات إقليمية، مثلما حدث عندما استولت روسيا على شبه جزيرة القرم.
الشيء نفسه ينطبق على منطقة الشرق الأوسط حيث مثلت الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش” – ISIS تحديا حقيقيا للحدود الدولية، ورغم أنه من غير المحتمل أن تنجح داعش في إعادة رسم الحدود بين دول الشرق الأوسط أو أن توافق الدول العظمى والقوى الإقليمية على ذلك، فإن الحدود القائمة بين دول المنطقة سوف تفقد أي معنى حقيقي لها بمجرد أن تسود الفوضى حول هذه الحدود وعبرها!

دول كبرى

ويقول ميللر: القتال العنيف في الشرق الأوسط في الآونة الأخيرة، قد يبدو وكأنه “صراع طائفي” حيث إن الجماعات السنية في العراق ولبنان وسوريا المدعومة من دول الخليج السنية تواجه الائتلاف الشيعي المدعوم من الحكومة العراقية وإيران وحزب الله في لبنان، لكن العديد من شعوب هذه الدول لا تعتقد أن اتفاقية “سايكس بيكو” التي صاغتها القوى الاستعمارية الغربية ترضي المطالب المشروعة لتقرير المصير الوطني لها على مر السنين.
التحديات العديدة التي واجهت نظام القوة والسلطة دفعت بفكرة العروبة إلى الأمام: “العراق الكبير” و”سوريا الكبرى” منذ استقلال الدول العربية عن الحكم الاستعماري الأوروبي خاصة في مرحلة الخمسينات والستينات من القرن العشرين، في عهد الرئيس جمال عبدالناصر، وهي نفس الفكرة الإسلامية حول “الخلافة” التي يطرحها اليوم تنظيم “داعش” – ISIS الأكثر تطرفا من تنظيم القاعدة نفسه، بل هي نفس الفكرة التي تراود الأكراد اليوم أيضا عن (دولة كردستان الكبرى) التي تخترق حدود إيران وسوريا والعراق وتركيا معا.

التقسيم الناعم

وبعبارة أخرى ليست هناك حلول جيدة لبعض أجزاء الشرق الأوسط، وإن العنف ينشط حين تضعف الدول، كما أنه ليس لدى هذه الدول (العراق وسوريا) ما يكفي من الوقت الآن لإعادة تماسكها وبناء “الدولة القومية المدنية الحديثة” دولة المواطنة التي تضم الجميع على اختلافهم.
كما أنه من غير المرجح إرسال قوات دولية غربية كافية واستخدام الدعم المادي لدعم ترتيبات (تقاسم السلطة)، علاوة على ذلك لا توجد دول إقليمية تنحو نحو الاعتدال ومن ثم فإن التقسيم يجري بشكل تلقائي حيث تتم إعادة ترسيم الحدود بالحروب الدامية والمكلفة، وبحكم الواقع فإن مناطق الأكراد مستقلة نسبيا ومستقرة ومزدهرة في شمال العراق مما يؤكد أن التقسيم هو الحل الأمثل في هذه الحالة.
التقسيم الناعم سيشمل المنطقة الكردية في شمال العراق والمنطقة السنية في الوسط، أما الجنوب فهو من نصيب الشيعة.
هذا الترتيب على المدى الطويل يمكن أن يؤدي إلى تقسيم كامل وشامل أو دولة متعددة القوميات والإثنيات، وستعتمد النتيجة النهائية في كل الأحوال على التطورات التي ستتم داخل مناطق الحكم الذاتي والعلاقات فيما بين هذه المناطق الثلاث.
في غضون ذلك ينبغي للغرب قبول هذه التطورات والدعم العملي للزعماء المعتدلين في كل منطقة من المناطق الثلاث ومدى استجابته لتطلعات مجموعته العرقية والطائفية، ومدى تعاونه مع مناطق الحكم الذاتي الأخرى، وهو حل - على الأقل - يمكن أن يوقف الاقتتال الدموي الطائفي والعرقي بين العراقيين، بصرف النظر عما إذا كانت (الحدود) بين المناطق الثلاث موجودة بحكم الواقع أو بحكم القانون ..لا فرق.


حلول كثيرة وفشل واحد

هناك الكثير من الحلول المطروحة لمعالجة الاختلال في التوازن بين الدول، ولكنها - في العمق - تسبب مشاكل لاحقة، بحسب بنجامين ميللر:

1 - أول هذه الحلول التقليدية “التقسيم” حسب الخطوط العامة العرقية والطائفية استنادا إلى مبدأ ويلسون “حق تقرير المصير”.
وهذا قد ينطبق على دولتين أو أكثر من دول الشرق الأوسط، لكن عموم الدول العربية لا يصلح معها هذا المبدأ نتيجة لتعدد وتداخل طبقات الهوية: الدينية والطائفية والقبلية والعرقية والوطنية.
وهو ما يجعل من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، تقسيم الأرض بدقة.
حتى لو كانت خطوط التقسيم واضحة بذاتها داخل بعض الدول العربية فإن معظم المواطنين لا يريدون الاستسلام للمطالب الانفصالية من قبل البعض الآخر، لأن ذلك يشكل قلقا كبيرا وسابقة خطيرة قد تؤدي إلى تفكك وضياع الدولة ووحدتها، وأيا كان الأمر فإن إنشاء نظام جديد للدول في المنطقة معركة ليست سهلة ودامية، بل وشبه مستحيلة.

2 - الحل الثاني يتمثل في دول ثنائية القومية أو متعددة الجنسيات وهو ما ينطبق على دولتين أو أكثر أيضا من دول المنطقة، حيث يتم تقاسم السلطة داخل الدولة الواحدة.
وقد تم تطبيق هذا الحل في العراق وثبت فشله، حيث أدى إلى إضعاف الثقة في مؤسسات الدولة العراقية، ناهيك بأن تقاسم السلطة والترتيبات القائمة عليها في دول مثل قبرص ولبنان ويوغوسلافيا عرضت هذه الدول للحروب الأهلية (وحتى بلجيكا فشلت في تحقيق التوازن بين الفلمنجيين والولونيين).
اتفاقات تقاسم السلطة الدولية التي نجحت أو بالأحرى، التي لم تؤد إلى تجدد الحرب الأهلية هي التي دعمتها القوى الكبرى مع وجود دولي فعال مثلما هو الحال في البوسنة حيث تمارس الضغوط على كلا الفريقين للتعاون والالتزام بالاعتدال.
الشيء نفسه تم في المملكة المتحدة وأيرلندا حيث وجهت الضغوط الدولية المجتمعات البروتستانتية والكاثوليكية إلى توقيع اتفاق “الجمعة العظيمة” عام 1998 في أيرلندا الشمالية.
وعلى الرغم من أنه من غير المرجح أن يرسل الغرب إلى الشرق الأوسط قوات سلام دولية لدعم الحكومات على تقاسم السلطة لفترة طويلة في بعض الدول العربية، فإن الغرب يمكن أن يمارس ضغوطا ناجحة ومثمرة على الشيعة والسنة من خلال الاتفاق مع الخصمين الرئيسين في المنطقة: المملكة العربية السعودية، وإيران.

3 - الحل الثالث هو الدولة القومية المدنية الحديثة، وهو إنشاء دولة المواطنة تضم جميع المواطنين وتحقق المساواة في الحقوق والواجبات كما هو الحال في أوروبا الغربية والولايات المتحدة، وهي عملية ليست سهلة بل مرت بحروب (دينية وطائفية وعرقية) دامية لعدة قرون، وظهرت في ظروف تاريخية محددة جدا عانى خلالها السكان الأصليون من التهميش وشاركت الهجرات المتواصلة في صنعها (دولة المواطنة) بحيث أصبحت اليوم أكثر المناطق جذبا لمعظم سكان العالم.

4 - الحل الرابع - الذي يمكن أن يضمن الاستقرار في العراق وسوريا لفترة طويلة - هو “الاستبداد”.
أو الحاكم الديكتاتور القوي الذي يقمع المطالب المتنافسة (عرقيا وطائفيا) ويحقق التوازن بالقوة.
ومنذ أطاحت الولايات المتحدة في 2003 بصدام حسين من السلطة انهارت المؤسسات العراقية وتم تفكيكها بالكامل، كما أنهى ما يعرف بالربيع العربي سلطة الحاكم المستبد في سوريا، وهكذا ثبت أن كل الحكام المستبدين في عصر الديموقراطية وحقوق الإنسان يفقدون في النهاية شرعيتهم وفعاليتهم لا سيما في المجتمعات المنقسمة بعمق إلى إثنيات مختلفة.