قبل شهرين من حلول رمضان الذي يطلق عليه السودانيون الضيف الكريم، تعلن رائحة »الحلو مر« الشهية التي تنقلها نسائم الهواء العليل، عن قرب مجيء الشهر الكريم، وهذه الرائحة للمشروب الشعبي الأول في السودان تعد إيذانا ببدء التجهيزات لاستقبال الشهر وبشرى جميلة يبتهج بها الكبار والصغار.
ويتميز شهر رمضان في السودان بطابع خاص وعادات جميلة تسودها روح الجماعة وتكافل المجتمع وتماسكه وكرمه وازدياد الروابط بين أفراده، ولعلّ هذا النوع من الموروثات التي يبرزها رمضان من الذاكرة الشعبية تعمل على حماية التراث وصيانته من الإهمال والنسيان لتنتقل الأطعمة بمذاقها الفريد ونكهتها اللذيذة من التاريخ إلى فضاء رمضان الرحب وأجوائه الرائعة.
ولا تنحصر التجهيزات في الإعداد للموائد العامرة فحسب، بل تشمل أيضا شراء الأواني والكؤوس والأطباق والمفارش، لذلك تزدحم الأسواق وترتفع القوة الشرائية للمنتجات الشعبية لتنافس المأكولات والعصائر الغربية والشرقية، كما يحتفي السودانيون بالعديد من العادات التكافلية التي يستدعونها من ثقافتهم الممتدة عبر التاريخ حيث يمتزج فيها التراث الشعبي بالموروث الديني.
إفطار الطرقات
يعتبر الإفطار الجماعي بالطرقات والساحات العامة أهم ما يميز المجتمع السوداني في رمضان، وعنوانا للتكافل في القرى والحضر، حيث يخرج الرجال والصبية من منازلهم كلٌّ يحمل مائدته إلى الساحة الخالية وسط الحي أو في الطرق والمساجد ليتشارك وليمة الإفطار مع عابري السبيل والفقراء، ومع خفوت تلك العادات في المدن إلّا أنّها ما زالت نشطة في الأقاليم، وفي منطقة الجزيرة المتاخمة للعاصمة الخرطوم التي يمرّ بها أحد أهم وأطول الطرق، حيث يقطع الأهالي الطريق على المسافرين للإفطار معهم ويكسبوا أجر ذلك.
ويقول محمد الريح: يقف الرجال في صفّ واحد على الطريق الرئيس يشبكون أياديهم معاً مشكّلين حاجزاً بشرياً، أو من خلال ربط أطراف أغطية رؤوسهم المسماة بالعمامة لإعاقة مرور السيارات ليتوقف المسافرون وعابرو الطريق ليشاركوهم وليمة الإفطار، ويخدم الصبية الضيوف قبل وبعد الإفطار بتقديم الشاي والقهوة وغيرهما إكراماً لهم.
إرث غذائي
يذخر المطبخ السوداني بإرث غذائي وفير، نظرا لوجوده بمنطقة تعد ملتقى حضارات عديدة، يتميز بنكهة متجذرة للأكلات الشعبية، ويظهر الاحتفاء بها خاصة في رمضان، حيث تلتقي القيمة الثقافية والغذائية لتؤسس جسر التواصل بين التراث الثري بمكوناته الغذائية والطبيعية، حيث امتزجت وانصهرت الثقافة من أذواق وأطعمة مختلفة بين ما هو عربي وأفريقي، متأثرة بما حملته قوافل التجار من الشمال إلى الجنوب وقوافل الحجاج المارين بالسودان من منطقة غرب أفريقيا والمغرب العربي.
وتعد التقلية والنعيمية من الأكلات الشهيرة التي يدخل في مكوناتها البامية المجففة المطحونة المعروفة بالويكة كعنصر أساسي في أغلب المأكولات التقليدية على شكل الإيدامات، ويتم تناولها بعد سكبها على العصيدة المصنوعة من دقيق الذرة أو القراصة المصنوعة من دقيق القمح.
المشروب الأبرز
تقول فاطمة علي: يعد الحلو مر المشروب الأبرز في رمضان، حيث لا يفارق مائدة الإفطار، ويتم خلط طحين الذرة مع عدة توابل، ويعجن ويصنع منه رقائق حمراء توضع على النار، وتخزن إلى مجيء رمضان، ثم تنقع في الماء البارد وتخلط مع السكر ليستخلص منها مشروب رائع الطعم يساعد على الارتواء ويخلط بين الطعم الحلو والمر، مشيرة إلى أن هناك مشروبات أخرى مثل «الآبري الأبيض» المصنوع من رقائق دقيق الذرة البيضاء، وعصير «التبلدي» و»الكركدي» والتمر هندي المعروف محلياً بالعرديب، بالإضافة إلى بليلة اللوبيا السائدة بشكل كبير، وبليلة الحمص.
أجواء المرح
أما السحور، فيُعهد به إلى الشباب الذين يقومون بضرب الدفوف وترديد «يا صائم قوم اتسحّر»، لإيقاظ أهل الحي، وعادة ما يتم فتح أبواب البيوت لتقديم وجبة السحور والماء للمسحراتية، وتكون وجبة السحور خفيفة وعبارة عن رقاق بالحليب، يصنع محليا من دقيق الذرة الشامية مع النشا، وهناك من يتناول رزا بالحليب، أو تمرا بالحليب وحلو مر، وماء، ويواصل المسحراتية سيرهم في مرح يتخلله ضرب الدفوف لأداء مهمتهم إلى وقت الإمساك.
وليمة الرحمتات
خلال الأسبوع الأخير من رمضان تعد الأسر وليمة طبقها الأساسي من لحم الضأن تُسمى «الرحمتات» مشتقة من الرحمة، وتوزع كصدقة على الفقراء، وتصنع ربات البيوت «بلح الشام» و»لقمة القاضي» و»البسبوسة» و»الكنافة»، أما الشاي والقهوة التركية فتعد مباشرة بعد الإفطار ويفضّل كثير من محبّي القهوة تحميصها على النار حتى يسودّ لونها وتعمّ رائحتها الأجواء، ولها طقوس خاصة، حيث تقدم مع البخور المعطّر المكوّن من مجموعة أعشاب طبيعية تنبت غرب السودان.

