أعلن في العاصمة التركية أنقرة عن ولادة حزب سياسي جديد تحت اسم «المركز»، وهو حزب كان يجري الإعداد لإعلانه منذ 3 سنوات تقريبا، لكن الخلافات حول التوجهات والبرنامج السياسي له عرقلت ولادته التي جاءت عسيرة.
شخصيات متحمسة لمشروع من هذا النوع تصر على أن الاستقطابات وتوقعات المشاركة من قبل قيادات سياسية يمينية ويسارية في هيئته التأسيسية، والإعلان أن بعض وزراء ونواب حزب العدالة والتنمية السابقين، والمحسوبين على جماعة العلامة فتح الله غولن مثل الوزير إدريس نعيم شاهين وهاقان شكر وإدريس بال ستدعم هذه التجربة، خصوصا وأن إردوغان نفسه دعا جماعة غولن أكثر من مرة لممارسة العمل السياسي مباشرة بدل الأساليب غير المباشرة.
سيناريوهات الولادة
عادل غور أحد المشرفين على أهم مراكز استطلاعات الرأي التركية يقول إن السيناريوهات حول ولادة هذا الحزب قد تكون كثيرة ومقنعة أحيانا فالمعارضة السياسية التركية مفككة ومشتتة أمام حزب العدالة والتنمية الذي يتفرد بإدارة شؤون البلاد منذ 12 عاما وهي تلقت أكثر من صفعة انتخابية طيلة هذه الفترة كان آخرها في الانتخابات المحلية التي جرت في مارس الماضي.
وكذلك احتمالات تلقيها ضربة جديدة شبه محسومة في انتخابات رئاسة الجمهورية رغم توحدها وراء أكمل الدين إحسان أوغلو.
فاستطلاعات الرأي في غالبيتها تلتقي عند نقطة فوز إردوغان من الجولة الأولى للانتخابات المقررة في أغسطس المقبل، وبفارق كبير على منافسه مرشح المعارضة، لذلك فإن الورقة الوحيدة الآن هي الإعلان عن حزب سياسي جديد تدعمه تيارات المعارضة، ويكون منفتحا على الجميع ليجرب حظه في الانتخابات البرلمانية المقررة في يونيو 2015.
رسائل سياسية
أسماء تركية كبيرة ولها خبرة طويلة في العمل السياسي يتوقع أن تأخذ مكانها في التحرك الجديد بينها وزراء ونواب سابقون في أحزاب يمينية محافظة وقومية، مثل «الوطن الأم» و»الحزب الديمقراطي»، و»الطريق القويم»، وكذلك شخصيات سياسية وحزبية تنتمي إلى تيارات يسارية مثل «اليساري الديمقراطي» الذي أسسه بولنت أجويد وحزب «الشعب الاجتماعي» الذي أسسه أردال إينونو، أعلن أنها ستكون في المؤتمر التأسيسي الأول للحزب، وهي رسائل سياسية مهمة إلى القواعد الشعبية بأن «المركز» سيكون حزب الوسط الجديد في تركيا على الطريقة الغربية التي حملها تورغوت أوزال في مطلع الثمانينات إلى تركيا للمرة الأولى، ثم تبعه العدالة والتنمية في محاولة ثانية في مطلع عام 2000 وجمعت التيارات والتوجهات الحزبية والعقائدية الأربعة في البلاد.
العقل المشترك
الأمين العام الموقت للحزب الأكاديمي وأستاذ مادة القانون المدني في جامعة إسطنبول عبدالرحمن قارصلي يقول إن العقل المشترك هو القاسم الأول بين قيادات هذه الحركة السياسية التي ستكون مختلفة في تفكيرها وإصدار قراراتها وتحديد استراتيجياتها.
وهو يعرف نفسه بأنه عصامي محافظ يميني وقومي الميول لكنه يقول إن توجه الحزب سيكون انفتاحيا على الجميع ولن يستبعد أحدا من الراغبين الالتحاق به على طريق إخراج تركيا من أزماتها الداخلية والخارجية الكثيرة.
ويتابع قارصلي، المتفائل بنجاح التجربة الحزبية هذه رغم أنه شخصيا لم يمارس السياسة حتى اليوم، بالقول إن مشكلة تطبيق القانون والعدالة في تركيا التي نعاني منها جميعا هي أهم أزماتنا لذلك نحن على ثقة أن من سيقف إلى جانبنا في الدفاع عن هذا الشعار هم كثر معظمهم من تضرر ودفع ثمنا باهظا بسبب غياب العدالة.
توقع قارصلي أن تكون حملة الانضمام إلى هذا التيار كبيرة فهناك 70 نائبا فقط في العدالة والتنمية لن يترشحوا مجددا للانتخابات البرلمانية المقبلة بسبب النظام الداخلي الجديد للحزب الذي يحول دون ذلك ونحن ننتظرهم هنا في صفوفنا لمواصلة نشاطاتهم السياسية، على حد تعبيره.
الإطاحة إلى أعلى
قيادات مقربة إلى إردوغان ترى أنها ليست المرة الأولى في تركيا التي نشهد خلالها محاولات من هذا النوع لإضعاف حزب العدالة والتنمية وتفتيته، بل إن البعض يتحدث عن أن الرئيس عبدالله غول وبولنت أرينش وجميل شيشاك أيضا وجميعهم من القيادات المؤسسة في العدالة والتنمية ستلتحق بهذا الحزب وهو سيناريو مضحك وسيفشلون كما فشل غيرهم عام 2007 إبان الانتخابات الرئاسية وعام 2011 بعد صدمة الانتخابات البرلمانية.
وهذا ما يقبله الباحث حسين يايمان الذي يرى أن غول نفسه لن يتدخل في أي نقاش من هذا النوع بعد هذه الساعة، خصوصا وأنه أعلن أنه سيكون السياسي الجامع والموحد في العدالة والتنمية ولن يكون أبدا من يفتت ويشرذم.
أقلام معارضة لإردوغان مثل قدري تكين رأت أن الحديث عن البدائل موجودة في تركيا وأن سيناريو صعود إردوغان إلى قصر الرئاسة في شنقايا تريده المعارضة أكثر من غيرها لأنها بهذه الطريقة ستزيح إردوغان من العمل الحزبي وتتركه في مواجهة مفتوحة مع المعارضة، حيث يفقد العدالة والتنمية رئيسه ما يسهل تشتيته وتفكيكه في العام المقبل وقبل الذهاب للانتخابات البرلمانية.
لكن الإعلامي محمود أوفور يقول إنها محاولة سياسية بالغة الصعوبة وأمامها عقبات كثيرة أهمها أن إردوغان أعلن أنه لن يترك الحزب والحكومة والسياسة في حال فاز في الانتخابات الرئاسية، وأنه من المبكر جدا الحديث عن تقاسم تركة العدالة والتنمية وهو في القمة ورئيسه يتحدث عن إدارة شؤون تركيا حتى عام 2023 على الأقل.
تكتل واسع
محاولات جادة في التركيز على إضعاف العدالة والتنمية من الداخل عبر ترك قياداته وجها لوجه بعد مغادرة إردوغان لكن قيادات حزب «المركز» ترفض أن تكون جزءا في سيناريو من هذا النوع رغم أن ماركار أسيان الصحفي التركي يصر على وجود هذا المخطط الهادف لجمع تكتل واسع في وجه إردوغان وحزبه.
وهذا ما يوافق عليه صباح الدين أون كبار الذي يصر على أن الغاية في النهاية هي عزل إردوغان وإضعافه في قصر الرئاسة لقطع الطريق على مشاريع تغيير شكل النظام البرلماني إلى رئاسي والمغامرة بمفرده على هذا النحو في التعامل مع ملف الدستور التركي الجديد والقضية الكردية التي يريد حلها على طريقته.
مهمة الحزب الجديد لن تكون سهلة كما يقول علي بيرم أوغلو الكاتب التركي، فالعدالة والتنمية دفع ثمنا سياسيا باهظا قبل الوصول إلى ما هو عليه اليوم ولن يفرط بسهولة في الإنجازات التي حققها والمعارضة التركية نفسها ستفشل طالما أنها تحاول التغيير من الفوق ودون كسب القواعد الشعبية والجماهير إلى جانبها.
إردوغان وأعوانه يتهمون جماعة غولن بالوقوف وراء كل هذه المشاريع والجماعة تقول إنها بعيدة عن السياسة لكن حزب المركز يقول إنه لن يكون السيف الذي يريد البعض أن يتلاعب به في المنازلات السياسية فكيف سينجح في ذلك؟

