نواصل الحديث عن الآثار الاجتماعية للزكاة إكمالا لمقال الأسبوع الماضي..
بالرغم من أن بعض العلماء يرون أن اقتصار أداء الزكاة على الفقراء والمساكين وحدهم يجزئ، وبذلك يهملون المصارف الأخرى، فإنه من الملاحظ أن المصارف الثمانية جاءت معطوفة على بعضها بحرف «الواو» ولم ترد مخيرا بينها بحرف التخيير «أو» إذ يقول الله تبارك وتعالى: «إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم».

وعلى ذلك فإن الفوائد العائدة من الزكاة تعم المجتمع كله وليس أدنى فئاته وحدها، وهي الفقراء والمساكين.
ومما يلاحظ هنا أن لفظ «في سبيل الله» ليس مقصورا على الجهاد وحده، مثلما يقول بعض المفسرين، بل يقصد به كل طريق يوصل إلى مرضاة الله تعالى. والجهاد لون من ألوان الوصول إلى رضا الله، وهو مع جلاله وعظمته لا يمنع أن يكون هناك أنواع أخرى من الوسائل التي توصل إلى هذا الرضا.

وعلى هذا يكون مصرف «في سبيل الله» شاملا لجميع وجوه وطرق الخير، ومنها إنشاء المستشفيات وبناء المساجد وما أشبه ذلك من أمور الخير والبر ومصالح المسلمين العامة التي بها قوام أمر الدين، كما يشمل إعداد الدعاة لنشر الإسلام، واستدامة الوسائل لحفظ القرآن وبقائه متواترا، لأن سبيل الله هو كل ما يحفظ للأمة الإسلامية مكانتها المادية والروحية.

ومن الملاحظ في أيامنا هذه أن الناس ينظرون إلى الزكاة باعتبارها صدقة جائزة، يتفضل بها المزكي على الفقير والمسكين.
تلك النظرة أضاعت هدف الزكاة الاجتماعي - فضلا عن كونها حافزا اقتصاديا - وأضعفت من قوتها كفريضة واجبة الأداء، لا فضل لمعطيها على أحد، فهي فرض لا بد من أدائه لكمال إسلام صاحبه. كما أنها بالطريقة التي تعطى بها للفقراء والمساكين تسمح بتكرار العطاء إلى شخص واحد، مع منع غيره من أن يحصل على حقه ما دام لا يمد يده للناس ولا يسألهم إلحافا، وتأبى عليه كرامته إلا أن يتعفف.

كذلك فإن إعطاء الزكاة للفقراء والمساكين بالشكل الذي نراه اليوم، لن يُحوِّل أيّا من الفقراء أو المساكين إلى غنى عن السؤال، إذ إنها تسد حاجة موقتة عنده، فإذا ما شبع بأكلة أو أكلات أو كسي بثوب بلي بعد حين، عاد فقيرا أو مسكينا مثلما كان عليه حاله من قبل.
وفي تقديري أن الهدف الاجتماعي للزكاة ليس مجرد إشباع جائع أو كسوة عار لمرة واحدة، أو مرة كل عام، بل إن هدفها إشباع حاجة الفقير والمسكين إلى مدى حياته، وإغناؤه لينتقل من فئة المستحقين للزكاة إلى فئة المعطين لها.
فإن مردود الصدقة على الفقراء لا يعني إلا أن ينتقل هؤلاء من الفقر إلى الاكتفاء، وإلا ظل مجتمع الفقراء فقيرا ومجتمع الأغنياء غنيا، وهذا ما لا يتفق مع العدل والنماء الذي فُرضت الزكاة من أجل تحقيقه.

تساؤلات حول الآثار الاقتصادية والاجتماعية للزكاة:
-1 هل هناك حكمة وراء اختلاف نسب الزكاة وفقا لأنواع الأموال التي تؤخذ منها، كالذهب والفضة وما يقوم مقامهما، وعروض التجارة والمال المستفاد (2.5?%) في حين أن الزرع 5?% إذا كان يتم بسهولة ويسر، و10?% إذا تم بمشقة؟
-2 لماذا يتساوى عبء الزكاة على من يكتنز المال ولا يستثمره، مع الذي يتجر في المال ويتسبب في إعالة عدد من الأسر ويسهم في رخاء المجتمع، إذ يلتزم الكل بسداد 2.5?%؟
-3 هل هناك طريقة واضحة لحساب القيمة المضافة لصنف خاضع للزكاة مثل القمح، خرجت منه مشتقات أخرى كالخبز والمعجنات؟
- على أيهما تستحق الزكاة: على القمح أم على المنتج النهائي، وبخاصة إذا كان منتجهما واحدا؟
- وهل يعتبر الخبز والمعجنات قد انتجا بمشقة فيستحق عليهما 5?% أم براحة فيستحق عليهما 10?%؟
- وما الحكم إذا كان القمح قد أنتج بغير مشقة في حين أنتج الخبز بمشقة؟
-4 هل تقاس الصناعة على التجارة مثلما يقول البعض، فيسري على السلع التامة الصنع ما يسري على عروض التجارة، أم تسري عليها قواعد الزراعة باعتبار أن الزراعة إنتاج مثلها مثل الصناعة تماماً؟
5- هل هناك نصوص واضحة لا تقبل التأويل من الكتاب أو السنة توضح زكاة عروض التجارة؟ أم أن الأمر يحتاج اجتهاد الفقهاء للتفسير أو قابل لإعادة نظر؟
هذه بعض تساؤلاتي حول الزكاة وفى العدد القادم، إن شاء الله، أواصل الحديث عن الزكاة والآثار الاقتصادية في الإسلام وأطرح بعض التساؤلات.