استكمالا للرحلة داخل البيت المكي المأخوذة من رواية سقيفة الصفا لحمزة بوقري، والتي تدور أحداثها في جزء من حارة الصفا المكية قبيل منتصف القرن الرابع عشر، من أوائل الروايات السعودية، وزخرت بالعديد من الملامح التاريخية المكية.
ومما تطرق إليه بوقري المصدر الأول للماء داخل البيت المكي، الحنفية وهي خزان صغير يسع لما يقارب العشرين جالونا من الماء أو أكثر، تعبأ بالماء يوميا أو أسبوعيا، وتبنى داخل الجدار وتجصص من الداخل بمادة خاصة حتى لا يرشح منها الماء، وتكون في الممرات أو في الحمامات أو المراوش، وفي نهايتها صنبور يؤخذ منه الماء.
ولمنع دخول السقاء «حامل الماء» للأماكن الخاصة في المنزل عند تعبئة الحنفية بالماء، كان يعمل لها في بعض البيوت قناة تكون بدايتها في الممر أو في درج المنزل، والقناة تشبه الحوض الصغير، وتصب القناة داخل الحنفية، وفي بعض البيوت يتناول أحد أفراد البيت الماء الذي أحضره السقاء ويقوم بصبه مباشرة في الحنفية، وذلك لمنع دخول الغرباء للمنزل.
وكما ذكر المؤلف الطهارة ضمن وحدات البيت المكي القديم، والطهارة هي دورة المياه، حيث كان من العرف ومن باب اللباقة في الحديث ألا يقال «حمام» بل طهارة أو بيت الماء.
ومن الوحدات التي ذكرها الروائي ضمن مكونات البيت المكي القديم المقعد، وهو من الغرف المهمة في البيت، ويعتبر مجلس رجال العائلة اليومي، كما يجهز في العادة لاستقبال الضيوف ويفرش بالفرش الفاخر، وفي البيوت الكبيرة يكون خلف المقعد صُفة، يفصل بينها وبين المقعد باب، وتستخدم لجلوس نساء الأسرة أو الخدم حيث يكونون قريبين جدا من الضيوف لتقديم ما يحتاجون إليه.
ومن الغرف المتوسطة الحجم في البيوت المكية، والتي جاء ذكرها ضمن الرواية المجلس، وهو المكان الذي يستخدم لجلوس أفراد الأسرة خلال اليوم، كما يستخدم لاستقبال النساء من الضيوف إذا كان المقعد مشغولا بالرجال، ويكون فرش المجلس أقل تواضعا من فرش المقعد، حيث يفرش في الغالب بالمفارش القطنية وتكون الجلسة أرضية.
ثم يصف الروائي مكان نوم أفراد الأسرة، حيث يقول «يمكن أن تصعد إلى السطح الأول فتجد نفسك في غرفة غريبة الشكل بمقاييس هذه الأيام، لأنها غرفة لا سقف لها وكل أثاثها ثلاث دكاك عريانة نهارا مفروشة ليلا بتلك الفرش التي كنا نطويها صباحا ونضعها في ركن مغطى بمظلة من الصفيح، لا يضاف إلى ذلك سوى أربعة مسامير مثبتة في أربعة أركان كانت تستعمل في ربط حبال تلك الآلة التي انقرضت من الدنيا هذه الأيام «الناموسية» والتي كانت تقينا جيوش الناموس المفترس».
ونلاحظ هنا أنه بدأ حديثه بوصف السطح الأول، وذلك أنه وفي معظم البيوت تتعدد الأسطح التي تستخدم للنوم بحسب عدد أفراد الأسرة، كما أنه وفي بعض البيوت الصغيرة كان يقسم السطح الواحد إلى عدة أسطح يفصل بينها بقواطع من الخشب أو القماش، وذلك للتفريق بين البنات والأولاد في مكان النوم.
ويبنى جدار البيت على ارتفاع نصف متر تقريبا بناء عاديا من الحجر والنورة، أما الجزء الأعلى من الجدار والذي يرتفع إلى حوالي المتر والنصف، فيبنى في العادة من الطوب أو الآجر الملون، وتترك بين قطع الآجر فتحات صغيرة لا تسمح برؤية من في داخل السطح، وفي الوقت نفسه تسمح بمرور الهواء، وكانت الأسطح ترش ليلا بالماء مما يعطي شعورا بالبرودة.
كما أشار المؤلف إلى وجود «غرفة لخزن المواد الغذائية» والغرفة التي أشار إليها، ولم يسمها صراحة هي التي كانت تعرف بالخزانة، وهي أصغر وحدة من وحدات البيت المكي القديم، وتكون عبارة عن غرفة صغيرة أحيانا في الدرج، وتستخدم لتخزين الفرش أو غيره.
كما تأتي خلف المجلس أو الديوان، وتستخدم لجلوس نساء الأسرة، إذا لم يكن هناك زوار.
وإن كانت في الغالب تستخدم كمستودع أو مخزن.
وكما يقول المستشرق الهولندي سنوك «وعلى جوانب غرفة الجلوس والصفة توجد ملحقات، تستغل أحيانا لوضع دواليب وأماكن للتخزين، وفي هذه الحالة يطلق عليها خزانة، وقد تستعمل أحيانا أخرى كمطابخ، وعندما يفد أحد الزوار إلى المنزل تغادر المرأة غرفة الجلوس إلى الخزانة».
أسرار البيت المكي ومكوناته لدى بوقري ( 2 - 10)
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
