وكان الضوء الخافت الوحيد يتسلل مع الجندي البائس حين يأتينا بالأكل الذي هو وسيلتنا الوحيدة لمعرفة تقلب الليل والنهار: فإن كان جبنةً بيضاء وزيتوناً فهذا يعني أن الوجبة فطور والساعة (7) صباحاً، وإن كان ربع كبسة دجاج فذلك هو الغداء والساعة (2) ظهراً، وإن كان عدساً أصفر فذلك هو العشاء والساعة (8) مساءً!
ولشدة فرحنا بالجار الجديد أخذنا نغني له بمجرد معرفتنا اسمه: «مرزوق الحب/ فين امشيتي/ وفين غبتي علينا؟» وكان الصدى والإيقاع على أبواب الزنزانات يشعران المغني بجمال صوته ولو كان أنكر الأصوات، مع عدم الاعتذار للحمير هذه المرة فلا يغضب من القرآن العظيم إلا حمار بصحيح!!
وطلب منا مرزوق الصمت لأنه يشعر بصداعٍ فظيع نتيجة السكر، والضرب المبرح الذي تعرض له من أسود الهيئة، فتركناه ينام واستأنفنا حديثنا مع المزوِّرين (علي وفيصل) حيث لم يستطع المحقِّقون إدانتهما بشيءٍ لتطبيقهما الخطة المحكمة: (قل مدري تطلع بدري)! ولأن الأول استشار محامياً قبل القبض عليه بيوم واحد ودفع له (5000) ريال مقابل نصيحة واحدة: أتلف كل الأوراق الأصلية فالقضاء لا يعتمد الصور! وكان المستند الأصلي الوحيد في المدينة، فسافر فوراً إليها، ورشا حارس المعرض بـ(5000) ريال أخرى ليستيقظ فجراً ويفتح له الخزانة، ولو لم يكن سودانياً أصيلاً لاستيقظ بأقل من ذلك بكثير! وفي الصباح الباكر فوجئ السوداني برجال البحث الجنائي يوقظونه بدون رشوة ويأخذون الملف بالكامل!
و.... استيقظ (مرزوق) مغنياً: سرقوا الصندوق يامحمد/ لكن مفتاحه معايا!
واتضح أنه من ذوي البشرة السمراء المعروفين بخفة الروح، وكان قد دفن (جالون 5 لتر) من العرق المحلي تحت طعسٍ في (ديراب) منذ تسعة أشهر، وما إن سكب الكأس الأول لرفاقه حتى خرج لهم (جمس بوند) من تحت الأرض أو هبط عليهم من السماء، لا يدري مرزوق بالضبط! لكن رفاقه هربوا بسرعة، أما هو فعبَّ ما تبقى من الجالون تحت الضرب والشتائم ثم ركب معهم وهو يتجشَّأ ويقول: على الأقل أدخل السجن ومزاجي مزبووووط!!
واشتقنا لك يا مرزوق!!
2 دقائق للقراءة

حجم الخط
