كيف يمكن أن نلخص في هذه السطور، محنة غزة العربية المسلمة، وخلفيات ما تتعرض له من العدوان الهمجي تلو الآخر، على النحو الذي أوقع في الوجدان الشعبي الفلسطيني جروحاً غائرة، تنعكس الآن على طابع الرأي العام الفلسطيني حيال قطبي السياسة والمقاومة في البلاد؟
فلا يختلف اثنان، حتى من بين المحللين الإسرائيليين، أن نتنياهو وحكومته، واجهوا حادث اختطاف المستوطنين الثلاثة، بحماقة ورعونة فتحتا الأبواب على مصاريعها لتداعيات من النوع التصعيدي الذي يتسم به مسار حكومة التطرف والاستيطان. فمنذ أن عُثر على المُختطفين مقتولين، انفلت فريق من بيئة نتنياهو وحكومته، يحاول اصطياد أي فتى فلسطيني لكي يضخه بالبنزين ويحرقه، علما بأن لا علاقة للأمر بأي طرف فصائلي أو سياسي أو اجتماعي، علماً بأن الحادث بدا فردياً. لكن نتنياهو شرّق وغرّب هو وحكومته، مرة يقولون إن المختطفين جرى تهريبهم إلى غزة، ومرة يتهم «حماس» اعتباطاً، فقد رأى في الحادث أعطية له ولحكومته، لكي يصرف نظر العالم عن قبح وظلامية سياساته التي يفترض أنها هي التي تلد العنف المضاد لعنفها ولممارساتها. غير أن المعتوهين الأشرار، الذين أحرقوا الفتى أبو خضير، أداروا الدفة عليه من جديد، علماً بأن القتلة يشبهونه بل إنه يزيد هو وحكومته عنهم جنوناً وتعطشاً للدماء!
اختلطت الأوراق، وتداعى الحدث في ذيل الحدث، وصولاً إلى حرب شاملة على الشعب الفلسطيني بدت فيها أشلاء عشرات الأطفال الأبرياء ممزقة من الرأس إلى أسفل القدم!
في هذه الأثناء، كانت السلطة الفلسطينية، تواجه أصعب الاختبارات، مثلما كانت المقاومة تواجه أشرس الحروب. فالسلطة، بحكم واقع وجودها وشروطه، ذات مخزون محدود من المفردات التي تواجه بها هجمة عسكرية عاتية لا تفرق بين مقاوم ومسالم. فعندما يرتكب المحتلون الفظائع، لن ينتج مخزونها اللغوي نصوصاً تلبي الحاجة السيكولوجية للرأي العام الفلسطيني فيما هو محزون وغاضب. عندئذٍ ينشأ مأزق هذه السلطة، وهي أصلاً، ومنذ سنوات، هدف لكل تدابير الاحتلال، لإضعافها وإحباطها وإفقادها جدواها على كل صعيد. لقد تحدث خبراء الرأي العام، عن مراحل تشكل وجدان الناس ورأيها. ويمكن أن ننتقي منهم الإيرلندي الشمالي جيمس برايس Bryce الذي رسم المقاربة الشبيهة بأحوال فلسطين، حيثما يقوم خطابان، واحد أقصر من طول مسدسات الفلسطينيين الشُرطية، والثاني أطول بكثير من سيوفهم القتالية حتى وإن توافرت لهم خطوط إمداد. وفي حال الغضب المبرر، على مستوى الجماعات البشرية، لا يرغب أحد، في سماع الخطاب التحليلي، لا سيما وأن الخطابين، الأول والثاني، غير معنيين بتحليل شيء أو بوضع نقطة على حرف، لكي يكون الكلام منطقياً، في مقاربتي السياسة والمقاومة، بصيغتيهما المتداولة!
يقول «برايس» إن الأفكار والمواقف، تنمو وهي أشبه بنمو البذور. كل بذرة تتطلب تربتها الملائمة. ما يسقط من البذور على أرض صلبة لن ينمو، أما سقوطها على أرض مهيأة فإنه يُنمّيها. والفكرة هنا، أن الفلسطينيين بصدد عدو لا يصلح لشيء سوى للعدوان على كل صعيد. المنطق الطبيعي يُجيز أن يقاومه المُعتدى عليهم. فمن لا يقاوم، أو حتى من يعارض الفكرة، فإن خطابه يسقط أدبياً. تتناوشه همسات الناس وأحاديثهم العابرة. فالجماعات الإنسانية المستباحة في مصائرها، ليست معنية بالمصاعب الموضوعية للقتال. على صعيد الخطاب الأول، من المعادلة الفلسطينية، وحيث يقف الرئيس محمود عباس، ثمة قيود تتبدى ليس على الفعل وحسب، وإنما على القول مفتوح المدى أيضاً. ومن المفارقات أن هذا الخطاب الأول، يتأرجح بين نقطة الذروة المتاحة للغته، وينزل أحياناً إلى ما دون حدها الأدنى ويجرح الوجدان الشعبي متوخياً سلامة العواقب. وفي الطرف الثاني، نسمع خطاباً مفتوح المدى، وبحكم أن لديه خطايا الحكم ذي المنهج الإخواني في غزة، تأسيساً على خطأ الانخراط في السلطة نفسها، وأخطاء حسابات الحرب؛ تراه يستعيض عن هذا كله ــ في رسالته إلى المجتمع ــ بفكرة المقاومة وبلغتها التعبوية وبالتسميات القرآنية الماحقة كالفرقان وسجيل، فيما الاختلال العسكري في موازين القوة قائم وراسخ، وفيما ينكشف الغبار والركام في كل مرة، عن بؤس أشد في حياة الناس وعن كل ما يدل على الخسارة الفادحة في كل موضع. هنا، تكون النتيجة مثلما أرادها المجرمون: خطاب أدخلته الحرب إلى غرفة العناية الفائقة (بل قد تجد من يرغبون في نزع أنبوبة الأكسجين عنه) وبعض ذلك من فعل يديه وبجريرة بُنيته الهشة ولغته المرتبكة، ذلك فضلاً عن الجريرة الموضوعية. أما الثاني، فقد جعلته الحرب الإجرامية، قائماً على توسيع رقعة المقابر وعلى الازدحام في المشافي وعلى اعتصار القلوب ألماً على الشهداء، وقائماً على حسرة الناس على بيوتها المدمرة.
على هذا الخط، ما زال المحتلون يضغطون للإجهاز على فلسطين، سياسة ومقاومة، وهنا يرتسم الشكل العام لمحنة الفلسطينيين.