ضيف خفيف يمر علينا كل سنة، يحمل معه الكثير من الهدايا، لمن ذهب وأحسن استقباله وأكرمه وآتاه حق ضيافته، ويخسر خسرانا كثيرا من لم يذهب لاستقباله، وسيندم ويتمنى لو أن الزمن يرجع ليستقبل الضيف مثلما استقبله الباقون.
رمضان ذاك هو الضيف! ضيف تهواه القلوب، وتحبه النفوس، وتشتاق له العيون، يفرغ الإنسان نفسه للعبادة، يحمل معه الكثير من الدروس، يعلمك الصبر، يثري في نفسك روح الإيثار، ويحيي في نفسك روح المحاسبة والندم!!
هذا الشهر اختصه الله بأن أنزل فيه القرآن هداية للإنسان، شهر فيه الخير، ومنه الخير، وإليه الخير، يقول الله عز وجل في كتابه: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبيِّنات من الهدى والفرقان)، شهر تفتح فيه أبواب الجنان، وتغلق أبواب النيران، وتصفد الشياطين.
شهر يعتق الله في كل ليلة من لياليه عتقاء من النار، ما أجمل ذلك عندما يقال لك اذهب فقد عتقت رقبتك من النار، خير كبير، يغبن فيه من باعه ببضع شهوات وضحكات على أشياء تافهة، لك في كل العام وقت للأشياء الأخرى، لكن رمضان لا يأتيك في كل العام.
عزيزي القارئ.. فرغ لي ذهنك في هذه اللحظات، فسوف أحلق بك عاليا، تأمل هذا الحديث الذي رواه أبو هريرة، رضي الله عنه، يقول فيه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وينادي مناد يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة). رواه الترمذي وابن ماجة.
شهر فيه ليلة من خير الليالي، من حرمها فقد حرم شيئا كبيرا، ليلة خير من ألف شهر، أليس أحق وأقوم أن تقوم وتعكف عليها، لتنال هذا الفضل العظيم، والمكان الكريم، بدلا من عكوفك على الأرذال، أو بقائك هائما لا تدري ماذا تفعل، أو تعكف على الطعام، تعوض ما لم تأكله في النهار، شتان ما بينهما، رجل عرف قدر هذه الليلة، فشد المئزر من بداية العشر الأواخر من رمضان، وشد على نفسه، فعكف الليل قائما يصلي، يرجو ما عند ربه، وآخر لم يلق لها بالا ولا خاطرا، فمثلها مثل أي ليلة في وسط العام، لكن جنة الله غالية، وثمنها غالٍ، لا يستطيعها إلا من هو أهل لها، فكيف تبيع تلك الأيام بثمن بخس؟
فعن أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال: دخل رمضان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن هذا الشهر قد حضركم وفيه ليلة خير من ألف شهر من حرمها فقد حرم الخير كله ولا يحرم خيرها إلا محروم).
كان الرسول، صلوات ربي وسلامه عليه، إذا دخلت العشر شد المئزر، وأحيا الليل، وأيقظ أهله، وأعمار هذه الأمة قصيرة مقارنة بأعمار من سبقها، ولكن جعل الله لهذه الأمه أوقاتا لها فضائل عظيمة، اللبيب من يستغلها ويقومها.
وفي الختام يقول ابن الجوزي، رحمه الله: شهر رمضان ليس مثله في سائر الشهور، ولا فضلت به أمة غير هذه الأمة في سائر الدهور، الذنب فيه مغفور والسعي فيه مشكور، والمؤمن فيه محبور والشيطان مبعد مثبور، والوزر والإثم فيه مهجور، وقلب المؤمن بذكر الله معمور، وقد أناخ بفنائكم هو عن قليل راحل عنـكم، شاهد لكم أو عليكم، مؤذن بشقاوة أو سعادة أو نـقصان أو زيادة، وهو ضيف مسؤول من عند رب لا يحول ولا يزول، يخبر عن المحروم منكم والمقبول.
فالله الله، أكرموا نهاره بتحقيق الصيام، واقطعوا ليله بطول البكاء والقيام، فلعلكم أن تفوزوا بدار الخلد والسلام مع النظر إلى وجه ذي الجلال والإكرام ومرافقة النبي، صلى الله عليه وسلم.
ضيف كريم يوشك على الرحيل
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
