كما أشرنا سابقاً فلم تكن السجنة الأولى تحفظاً عليه بقضية محددة تمهيداً لمحاكمته، وإنما كانت لإذلاله وتأديبه حتى إشعار آخر، ولهذا وضعوه في زنزانة انفرادية، وصادف أن جيرانه الأربعة كانوا من أهل المخدرات والتزوير بالتساوي!
كانت الزنزانات الضيقة المظلمة الحقيرة موزعة على صفين متقابلين، وكان الكلام بيننا يحدث صدى مزعجاً مخيفاً، وكأننا في قاع بئرٍ مهجورة! فاتفقنا أن نتحدث بالدور للحصول على أنقى ما يمكن: أتحدث أنا مع (ناصر) المقابل لي وهو رقيبٌ في البحرية، أطلقت عليه لقب (بطل شُبرا) لما يتميز به من شجاعةٍ نادرة، وللمغامرة التي أدخلته السجن! ويتحدث هو إلى جاره بالجنب (علي) الموظف المدني المتهم بتزوير توقيعات رؤسائه في العمل للحصول على عدة قروض بنكية والمتاجرة بها مع العسكري (فيصل) المقابل له، عن طريق معرض سيارات يملكه شقيق فيصل في المدينة المنورة! ويتحدث فيصل إلى جاره بالجنب رئيس الرقباء بحري (مرزوق) الذي ضبطته الهيئة متلبساً بشرب (العرق) المحلي، وتكتمل الحلقة بأن يتحدث مرزوق إلي! وهكذا كنا نعرف أخبار بعضنا ونتبادل المشورة فيما يمكن أن نفعله لتجنب الإدانة والخروج بأسرع ما يمكن!
كان (ناصر) مدمناً للحشيش وأشياء أخرى وجاء من مقر عمله في (الجبيل) استعداداً لعرسه يوم الخميس، وقد عزم النية على التوبة والإقلاع النهائي بمجرد الزواج، ولكن كانت لديه كمية كبيرة فماذا يفعل بها؟ قرر أن يتناولها دفعة واحدة، وما زال أمامه (5) أيام ليفيق ويتوب! وقد أفاق فعلاً ولكن بعد شهرين في العناية المركزة؛ ليواجه تهمة السطو على دورية (نجدة) وتسجيل فيلم مطاردة مع (25) دورية أخرى بدأ من (حي النظيم) شرق الرياض، وانتهى بقفزه من كبري (شُبرا) غرب الرياض!
ومع ذلك لم يحكم عليه القاضي إلا بالحبس (4) أشهر و(70) جلدة؛ لكيلا يفصل من عمله!
أما أنت يا أستاذ محظوظ ـ يقول ناصر ـ (فو الله ان تبطي)! لماذا؟ لأنني بالمخدرات أفسد مخَّاً واحداً، أما أنت فبفكرة (خربانة) واحدة تفسد مئات الأمخاخ من الطلاب!!
أبطال السجن الأول!
2 دقائق للقراءة

حجم الخط
