شارك الطفل طارق بن زياد أقرانه تعلُّم القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم والأحاديث النبوية، فما إن اشتد عوده حتى افترق عنهم إلى حياة الجندية، التحق بجيش أمير بلاد المغرب موسى بن نصير، فشهد معه الفتوح الإسلامية، وأظهر شجاعة فائقة، لفتت إليه نظره، فاختاره أميرًا على برقة، فلم يلبث طويلًا في هذا المنصب، الذي بدا لقائده أنه دون قدراته، فاختاره قائدًا لجيشه. ولما أبدى فروسية وإقداماً منقطعي النظير، ولَّاه على مقدمة جيوشه بالمغرب الأوسط، فسيطر على ما تبقى من حصون المغرب الأقصى حتى المحيط الأطلسي، وشارك في إرساء الأمن حتى بلغ الحسيمة، أم مدائن بلاد المغرب، فحاصرها حتى دخلها وأسلم أهلها. وبهذا تمَّ فتح شمال أفريقيا كاملاً، وعُيِّن واليًا على طنجة.
لكن هدف طارق بن زياد، كان أبعد من ذلك، كان وراء المضيق المائي، الهدف الذي تلقى الإذن بتحقيقه عام 711م، على رأس جيشٍ من سبعة آلاف رجل. عبر المضيق المائي، ونزل في رأس شبه الجزيرة الأيبريَّة في الموضع الذي يعرف اليوم بجبل طارق، سيطر عليه بعد صدام مع حامية ملك القوط، توغّل في عمق إسبانيا، بعدما تهاوت بين يديه قلاع قرطاجنة والجزيرة الخضراء، وخندة وغيرها. وعندما علم ملك القوط بالأمر، جمع نحو مئة ألف مقاتل، وهو نحو عشرة أمثال جيش طارق بن زياد الذي علم بواسطة جواسيسه بالحشود الضخمة التي طريقها إليه، فطلب المدد من موسى بن نصير، أرسل له خمسة آلاف رجل آخرين. تقابل الجيشان في 28 رمضان عام 711م ودارت بينهما معركة طاحنة، انتهت بالقضاء على ملك القوط وجيشه، في نصر حاسم لجيش طارق بن زياد. وتشير مصادر إلى أنَّ طارق بن زياد هو من قتل ملك القوط بيده.
وبعد مقتل ملك القوط توالى سقوط المدن الإسبانية واحدة تلو الأخرى في يد طارق بن زياد، ففتح قرطبة وإلبيرة ثم طليطلة عاصمة القوط، التي استسلمت لطارق بن زياد الذي أصبح بحكم الواقع حاكمًا على الأندلس.
لقد كانت الأندلس هدفاً على مرمى مضيق من المسلمين، لكنه كان في حاجة إلى من يراه بوضوح، ويريده، ويتحرك في اتجاهه بقوة، فعلى قدر وضوح الهدف تكتمل أركان النجاح، وعلى قدر غياب الهدف، يخفت أي وجود لهذا النجاح حتى يختفي، تماماً كما اختفى الوجود الإسلامي والعربي من الأندلس بعد ثمانية قرون، على أيدي طوائف متناحرة لا هدف لها.
حلم القرون الثمانية
2 دقائق للقراءة

حجم الخط
