منذ البداية.. نشأت داعش في العراق من رحم الفكر الجهادي المتطرف، الذي حمل رايته السوداء تنظيم القاعدة العتيد. ولا شك - بعد ذلك - في معرفة الأحداث المتتالية، من خلاف الظواهري مع القائد الداعشي البغدادي، على ضرورة اقتصار الدولة الإسلامية على مجاهدي العراق، بعد أن سطع نجم الجولاني في سوريا وتبعه كثيرون من الموالين من بقية الدول الإسلامية، وما حدث بعد ذلك من انتقال التنظيم للمشاركة في حرب الأحرار ضد النظام البعثي السوري والنصرة معا، بعد اختلاط حابل أحرار العشائر بنابل المجموعات الجهادية المتنوعة.
الآن.. الآن، ومنذ بداية هذا الشهر الميلادي، ظهرت داعش بثوب جديد، بعد إعلان قيام دولتهم تحت مسمى (الدولة الإسلامية)، والذي أرعب الجميع من القريبين والبعيدين على السواء، حتى أصبحت (بعبعا) يخوف به الآباء أبناءهم، الذين لا يعرفون (ويش.. داعش هذا؟)! ولكن التداعيات الخالصة لذلك التحول الداعشي، التي تقارب الحجم (المقارب) لحقيقة ذلك الداعش/ الراعش، يمكن إيجازها على النحو الآتي:
1/ أصبحت حقيقة دولة داعش ماثلة للعيان باحتلال مناطق شاسعة من العراق، مهددة بجلاء النظام العراقي، بعد أن طالب البغدادي على الملأ مبايعته باعتباره منقذ الأمة وقائد لوائها إلى الجنة، ثم إن الوقائع تؤكد أن التنظيم ينبثق عن أيديولوجيا واضحة وقوية في نفوس الأتباع، الذين يأتمرون بولاء تام للحاكم القائد، ويمتلك آلة عسكرية مسلحة، وأتباعا كثر (حتى من الدول غير الإسلامية)، مما سهل عليه الاستيلاء على تلك الأراضي الممتدة من أرض الرافدين بكل ما تحويه من سكان وثروات!... ولكن هل تقدر هذه الدولة على اقتحام المستقبل بشروطه المفضية للنجاح؟ (هذا ما سوف نقوله بعد قليل).
2/ هذه الدولة الداعشية لم تتحقق لها هذه الغنائم، لقوة باهرة على الأرض، وإنما لأن عناصرها لعبوا على أرض هشة مضطربة، يستقر بها أفراد مهمشون كانوا يريدون التعلق بقشة تمنع عنهم ظلم قياداتهم المختلفين معهم في الطائفة الدينية، وقد وصلوا لهذا الملعب الصاخب بزفة جماهيرية كبرى على مواويل أيام الشام الخوالي!
3/ الدولة الداعشية كانت ولا تزال (بصيغتها التمكينية الجديدة) حلم متطرفي الإسلام السياسي في كل مكان، بإعلان فصيح مرة أو بكتمان وجلمرات (خلونا ننتظر الاكتساح التام وبعدين نجعل ثيابنا رايات سوداء نهتف بها للدواعش)!
4/ هؤلاء المؤيدون من أصحاب الفكر الجهادي المتطرف هم الذين يوهمون الناس بأن داعش وراءها ما وراءها من دول وتنظيمات معلنة وسرية، قادرة على احتضان ونصرة الداعشيين حتى قيام دولة الإسلام الحقيقية، لذلك فمن مصلحتهم أن تظل داعش أمرا مجهولا مفتوحا لكل احتمالات الإقصاء الكلي لكل من لا يعتنق هذا الفكر الخوارجي الإرهابي، الذي يمتلك ذهنية سلفية دائما تريد اختزال الأمة في قالب ماضوي، لا ينسجم مع الواقع والضرورة.
5/ ولكن القراءة المنصفة للوقائع تدل على خطأ تلك الأوهام، فـ(داعش) ليست إلا امتدادا لفكر القاعدة الجهادي، فنواتها الأولى كانت هي التي يعرفها الجميع: من (مجاهدي) القاعدة في العراق بعد سقوط صدام حسين مباشرة، الذين أسسوا جماعة التوحيد والجهاد بزعامة القائد (الزرقاوي)، والتي زعمت أنها تقصد بأهدافها وجهادها الاحتلال الغربي (الكافر) قبل عقد من الزمن، لتمتد بعد ذلك، فتتحول إلى (تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين)، ثم تصبح أكثر شراسة بعد مقتل الزرقاوي.
ولكن التحول الأهم في هذه الحكاية هو إعلان المقصد الجديد لهؤلاء (الدويعشيين)، والذي هدف لقيام ما يسمى بـ(دولة الخلافة)، بعد أن أصبحت مواجهة الاحتلال الغربي أمرا لم يعد له مبرر على الإطلاق! لتستمر تبعات ذلك الوهم الجديد من خلال (الدولة الإسلامية في العراق والشام) ثم (الدولة الإسلامية)، التي تقدم نفسها الآن حاضنا لكل الثوريين في العالم ضد الدول المدنية المارقة عن شريعة الإسلام في عصورها الأولى!
6/ وبالتالي فإن أجندة داعش منذ البدء وإلى الآن لا تتجاوز هذا الفكر القاعدي السلفي الجهادي، إلى الاستعانة بأجندات مساعدة، ولكن عندما تتفق الأهواء والأهداف بين داعش وبعض الأنظمة السياسية (والتنظيمات الحركية السرية) درءا لخصوم مشتركين، فإن ذلك لا يعني وحدة الهدف والانتماء، وإنما هو من وقع حافر المصلحة الداعشية المتطرفة، على حافر مصالح سياسية وأيديولوجية متطرفة كذلك!
7/ وأخيرا فإن حقيقة وجود تلك الدولة بشروطها لا يعني أنها تستطيع أن تكون دولة (بشروط الدولة المدنية الخالصة، بأجهزتها وأنظمتها وتطلعاتها للمشاركة في سباق الحضارة الكونية)، لأنها نشأت باعتبار وجود اضطرابات سياسية ودينية، أي أنها تأسست بشكل غير طبيعي، من غير امتلاك أجندة حقيقية للحياة والعيش في الكون الجديد، واستشراف آفاق المستقبل الزاخر بتحديات الأزمات الاجتماعية والمادية والسياسية.. وهذا يعني - بلا شك - أن مآل هذه الدولة الطارئة إلى الفشل والانتهاء بعد زمن قصير بالنسبة لزمن الكيانات الدولية الطبيعية..
داعش أولا.. هي داعش أخيرا، وخوارج الزمن القديم هم ذاتهم خوارج زمننا الجديد.. (و.. بس)!