الله جميل يحب الجمال، وفي ظني، وبعض الظن إثم وبالتالي فمعظمه ليس كذلك، فإن القبح مهما بلغت شدته، قد يُستخرج منه جمال ما. ولذلك فمجموعة من العناصر القبيحة قد تُكون شكلاً جميلاً، لأن الجمال الكامن في كل جزء سيظهر بدافع من عملية «التناسق»؛ فعين «الجاحظ» وأنف «بينوكيو» وأذن «ميكي ماوس» وفم «إسماعيل يس» قد تكوّن وجهاً جميلاً متناسقاً! بينما عناصر مستقاه من أيقونات الجمال الأنثوي مثل، شعر مارلين مونرو، وشفاه أنجلينا جولي، وأعين آن هاثواي، وأنف ناتالي بورتمان، لن تُكون وجهاً أجمل كثيراً من وجه أي فتاة عادية.
الجمال، مثل الحق والخير، قيمة مطلقة، لا يختلف عليها اثنان، ومع ذلك فهذا يحدث كثيراً لأن للجمال نوعين: الأول مادي ندركه بالحواس، فنختلف عليه، والثاني معنوي، ولا تخطئه الفطرة السليمة، ومع ذلك قد نتناوله من زوايا مختلفة فنختلف! فـ «مايكل شوماخر»، بطل العالم لسباق السيارات يقود بمهارة بكل تأكيد، ولا خلاف على ذلك، لكن إذا وضع أحدهم الهدوء والسرعة المنخفضة معيارين وحيدين للمهارة فسيجعل من قيادة «شوماخر» الأسوأ في العالم.. وعلى مستوى آخر يرى البعض، ومنهم الفيلسوف الاسكتلندي «ديفيد هيوم» أن الجمال ليس خاصية في ذات الأشياء، بل في العقل الذي يتأملها. وهو نفس الاتجاه الذي تبناه شاعر لبنان «إيليا أبو ماضي» الذي قال (كن جميلاً ترى الوجود جميلاً). وعلى دربهما سار الإنجليزي «بوزانكيت» الذي رأى أن الأشياء القبيحة تبدو هكذا فقط لضعف المُشاهد، بل إنه سمى القبح «جمالاً عسيراً»!
ويبقي الجمال المعنوي هو الأهم والأبقى؛ إذ لا يتداعى مع الزمن بل يزيد، فالزمان للورود عدو لدود، ولذلك فأي جمال مادي، مهما كان، يقل بمرور الزمن، بينما لا يمكن لسلطان الوقت أن ينال من الجمال المعنوي. تماماً مثل الأثر الذي تتهاوي جدرانه لكن تزيد قيمته مع الوقت.
والفرق بين نوعي الجمال ربما يتلخص في مقولة الشاعر الإنجليزي «ألكسندر بوب» الذي يقول: «الجمال يصدم العين، أما الجدارة فتكسب الروح».. ويقول الشاعر «حسين السيد»: (عشق الروح مالوش آخر لكن عشق الجسد فاني). فمتى نُعلي القيمة الجمالية؟... المعنوية.
أنف بينوكيو وأذن ميكي ماوس!
2 دقائق للقراءة

حجم الخط
