تضج الساحة الثقافية السعودية بشأن الناقد الأدبي سعيد السريحي، وتستعيد قضيته مع مجلس جامعة أم القرى الذي حرمه درجة الدكتوراه بعد قبول أطروحته وإجازتها من لجنة المناقشة، وإذا كانت الحداثة تتعارض مع العقيدة كما يرى البعض جملة أو في بعض جوانبها، فهنا سأحاول أن أقف على أطروحة سعيد السريحي وأرى هل تشكل خطرا على العقيدة أم لا؟ عنوان الأطروحة كان «التجديد في اللغة الشعرية عند المحدثين في العصر العباسي» وكان السريحي موفقا، ولعله بذكاء تعمد أن يكون بحثه في هذا الموضوع، فهذا النوع من الشعر قال عنه ابن الأعرابي «إن يكن هذا شعرا فما قالت العرب باطل»! فهذه المقولة تعطينا تصورا عن الموقف النقدي من شعر المحدثين، وتعصب علماء اللغة ضده، حيث لا يحظى بمكانة كبيرة في التراث الإسلامي والأدبي، لإغراقه في الصنعة وبعده عن معايير الشعر الجاهلي.
إذا تجاوز السريحي نقطة عبور مهمة، فالمساس بشعر المحدثين؛ لا يشكل خطرا على العربية، فهو شعر المولدين الذين لا يلتزمون بمعايير الشعر العربي الأصيل، خلاف ما لو كان موضوعه في الشعر الجاهلي الذي يعد ركيزة مهمة من ركائز اللغة العربية.
في داخل الأطروحة كان الباحث ينفذ إلى بنية النص الشعري والحراك داخل اللغة ذاتها، ويحاول إخراج اللغة الشعرية عند المحدثين من تهمة المبالغة والزخرفة اللفظية إلى أفق أرحب ومعان جميلة استمتعنا بها حقا، ووجدنا فيها تفسيرا مغايرا لما عهدنا من انتقاص اللغة الشعرية في تلك الحقبة. يقول السريحي «هذه الدراسة استهدفت إعادة قراءة شعر المحدثين وفق منهج يؤمن بأصالة اللغة الشعرية عندهم... دون إحالتها إلى مجرد صدى أو انعكاس لعصر من العصور أو بيئة من البيئات، وتجنب الربط المباشر بين لغة الشعراء المحدثين ومظاهر الترف والبذخ في العصر العباسي مما جرت عليه دراسات المتأخرين».
وعندما نأتي إلى صلب البحث سنجد السريحي يتجاوز هذه المنطقة أيضا، حيث يتناول شعر المحدثين «كطالب في كلية اللغة العربية، وليس كباحث في العلوم الشرعية»، فحاور نصوصه الشعرية كناقد يتحرى الإبداع وينشد الأصالة، فيبحث عن كل ما ينفذ به إلى بنية النص ويشد قارئه في تلك الأطروحة، دون أن يتناول نصوصا دينية أو يدعو إلى مخالفات عقدية، بل حاول أن يكون مرجعه عبدالقاهر الجرجاني، وأساطين العربية في كثير من جزئيات البحث.
ثم نأتي إلى أهم مرحلة يعيشها الباحث بعد انتهاء البحث، وعرضت على لجنة المناقشة وتقييمها لعصارة فكره وجهده طوال عدة سنوات، وهنا أيضا تجاوز الباحث هذه العقبة الكؤود رغم كون مناقشيه من أعتى مناوئي فكر الحداثة في وقته.
وهنا سنقف ليكون التساؤل:
• لم أجيزت الرسالة إذا كانت مخالفة لما هو متعارف عليه في كليات اللغة العربية؟ ألم يكن أحرى بالمناقشين الاعتراض على استخدام مناهج غربية في البحث، وعدم إعلان النتيجة، ومطالبة الباحث بالعدول عن نقد الصنعة الشعرية للشعراء المحدثين وفق رؤية مغايرة للنقد التقليدي لها، حتما كان هذا سيعد عيبا في رسالته، ومبررا قويا لمنعه من الدرجة العلمية.
• قبل هذا، أين المشرف وكيف سمح للباحث أن يستخدم هذا المنهج في معالجة النص الشعري إذا كانت هذه الطريقة غير مقبولة في كلية اللغة العربية؟ مع العلم أن الباحث قد أجيز بامتياز حين استخدم هذا المنهج في أطروحة الماجستير، والتي تناولت شعر أبي تمام، فكيف تقبله كلية اللغة العربية في مرحلة الماجستير وترفضه في الدكتوراه مع قصر المدة بينهما.
• من استحق الدرجة العلمية «الدكتوراه» يستحقها بناء على توصية لجنة المناقشة بمنحه الدرجة، وبما أن اللجنة أوصت بمنحه الدرجة، فكيف تغتال فرحة باحث بإعلان استحقاقه للدرجة العلمية ثم تسحب منه وفق قرار مجلس الجامعة الذي حاكم السريحي على فكره كصحفي حداثي، وليس كباحث دكتوراه قدم أطروحة أكاديمية استحق بها الدرجة العلمية؟
• كان على الجامعة إنذار السريحي بأن منهجه الفكري لا يتفق مع توجهات الجامعة وتحذيره، فلعله يقصد جامعة أخرى، أما أن تنتقم من فكر الحداثة في شخصه، فهذا لا يعد مقبولا بل هو من الظلم الذي حذرنا الله تعالى منه.
فلماذا تعترض الجامعة على المنهج وتعده مسوغا لحجب الدرجة، وقد أقرت قبل ذلك الرسالة عنوانا ومنهجا كما سجلها الطالب؟ كل الملابسات التي أحاطت هذه القضية تدين الجامعة ممثلة في كلية اللغة العربية التي وافقت على الموضوع،‏ والمشرف الذي تابع الباحث، والمناقشين الذين أجازوه.
أما أن يمضي كل إلى طريقه، ويتحمل الباحث السريحي وحده التبعات، فهذا ليس من الإنصاف في شيء، بل لم يكن وفق الضوابط الجامعية المتعارف عليها في كل الجامعات.
وحتى لو كان قرار حجب الدرجة العلمية نتيجة توجهات السريحي الفكرية، وكتاباته الحداثية في الصحف والتي لا تتفق مع النظرة الشرعية التي تلتزمها جامعة أم القرى، فهذا لا يعد مبررا مقبولا لجامعة تسير وفق شروط وضوابط أكاديمية للدراسات العليا.
واليوم بعد ربع قرن! آن للتعليم العالي أن يكون أكثر انفتاحا على العالم، وأن يعمد إلى محاربة الفكر بالفكر وتشجيع الطلبة والطالبات على عرض أفكارهم، ودحض شبهاتهم عن طريق دفع الحجة بالحجة، بالبينة وبالتي هي أحسن، حتى لا تصبح الجامعات معيقة للأصالة والإبداع.
واليوم وبعد ربع قرن من ظلم السريحي، غدت نظريات الحداثة تدرس في الجامعات السعودية، وأصبحت الأسلوبية منهجا يطبق في كثير من الأطروحات العلمية.