بعض البدهيات من الأمور تحتاج لإثبات وبرهان.. هكذا ظلت الحال عند الجدل حول أهمية القراءة.. الجدل الذي يدور بين أوساط المثقفين العرب، يدور في سبيل الدفاع عن وجهة النظر المعارضة لأهمية القراءة.. بطرح تساؤلات منكرة ومستغربة وخبيثة... ماذا نستفيد من القراءة.. تضييع للوقت! من تراه انتفع بما قرأ.. وغير ذلك من الاستفهامات.
ومن الأسئلة الشائعة عنوان هذه المقالة: الحياة كتاب مفتوح فلم البحث في كتاب مغلق؟
في الأصل من قال إن قراءة الكتب تغني عن تأمل كتاب الحياة.. إن أقوى الكتب وأعظمها تأثيرا ما كتبه مؤلفه وعينه على الواقع بحذافيره لحظة بلحظة وتجربة في إثر تجربة.. وهذه حال معظم المؤلفات التي تترجم لنا ولغيرنا من العالم المتقدم حاليا. هو تقدم لأنه نزل للواقع وعايش تفاصيل الكون والحياة والنفوس واكتشفها عن كثب بأدق ما تكون الملاحظة والاستقراء الدقيق..لذلك جاءت هذه الكتب انعكاسا صافيا لأحداث الحياة ومحاولة تشكيل بارع للعبة الكبيرة.
أما إن كان السؤال يتعلق بالكتب الصفراء الميتة فبالفعل يرد السؤال والاعتراض: فما الفائدة من كتاب يفصلك عن واقعك ليعيشك في عالم متوهم ومتخيل!.
أعرف كثيرا من المؤلفين يكتب من واقع حياة لا تتجاوز مساحة مكتبته التي جمع في معلومات كتابه على طريقة: (اجمع من هنا وهنا وقل ألفت أنا).
كما أن بعض الكتب لا جدوى منه - بشكل مباشر- مع أنه انطلق وكتب من معايشة واقع لكنه واقع كان ومضى.. فهو مختلف وقديم ومتغير.. ومع ذلك فهو يمثل نضجا في التفكير والتصور لكاتبه وزمانه.. أما غير ذلك من الكتب المنبتة والمنفصلة عن الواقع فبالفعل: ما الجدوى منه سوى أن يكون وقودا للمدفأة قبيل إشعال النار!
إن الكتب المماسة للواقع هي التي تستحق القراءة.. لماذا؟
الإجابة واضحة... إذ إن هذه النوعية من الكتب النابضة بالحياة تقدم لنا تصديقا وبرهانا على ما نقرؤه ونمر به ونستنتجه من وقائع حياتنا.. بمعنى أنني ربما رصدت ملاحظة واستنتجت خلاصة حياة من كتاب الحياة المفتوح، فإذا أنا وجدت كتابا قرأه الملايين من الناس يتحدث عن مثل ما توصلت إليه فذلك سيجعلني أكثر ثقة بنتائجي واكتشافاتي.. كما أنه سيقدم خدمة جليلة أخرى لي وهي تنظيم المعرفة التي غالبا -أو ربما- تكون مشوشة في عقلي وتصوري باعتبارها معرفة فردية واكتشافا شخصيا.. وأيضا فهذه الكتب البارعة ستعمق اكتشافاتي وقراءاتي في كتاب الحياة.. كما أنها ستختصر لي الطريق إلى نتائج كنت بحاجة لإنفاق سنين طويلة وربما إخفاقات مريرة حتى أهتدي إليها.. إن الكتاب المرسومة حروفه بريشة الواقع يختصر لي هذا المشوار في جلسة ساعة أو ساعتين بدلا من سنة أو سنتين أو أكثر من ذلك.
إذن.. فلماذا الجدل ولماذا افتعال الخصومة بين كتابي الحياة والواقع وهما معلمان ناصحان ونحن تلاميذهما.
أنا أطرح هذا السؤال في مواجهة سؤال: لماذا نقرأ الكتب وكتاب الحياة مفتوح؟