كان السؤال التالي يعدّ ركيزة رئيسية في السياسة الأمريكية منذ 1968 على الأقل: لماذا ينتخب كثير من المواطنين الأمريكيين البيض، والذين ينتمون إلى الطبقات الفقيرة والطبقة الوسطى لصالح الحزب الجمهوري المحافظ المحسوب على الطبقة الغنية؟ الجدل حول الدوافع للناخبين البيض من أصحاب الدخل المنخفض لا يزال بلا إجابة وافية حتى الآن، لكن هناك دراستان صدرتا مؤخرا تبينان أن العقبات التي تواجه الديمقراطيين في استمالة هذه الشريحة يصعب التغلب عليها لارتباطها بعوامل وراثية.
الدراسة الأولى بعنوان «طاعة السلطة التقليدية» ونشرتها مجلة «الشخصية والفروق الفردية» في ديسمبر 2013. يقول كاتبو الدراسة، وهم ثلاثة من علماء النفس، إن القيم التقليدية الثلاثة: التسلط، المحافظة، والتدين تتأثر بشكل كبير بعوامل جينية، والتي يمكن تصنيفها على أنها انعكاس لتوجه أساسي هو «الفكر التقليدي». التقليديون بهذا المعنى هم الذين لديهم معايير أخلاقية صارمة، ويعارضون التمرد والإهمال الأناني للآخرين، ويقدرون المؤسسات والممارسات الدينية.
الدراسة الثانية أجرتها أماندا فريسن، الخبيرة في العلوم السياسية في جامعة إنديانا، وألكساندر كسيازكيويتز، وهو طالب دراسات عليا في جامعة رايس. تقول الدراسة إن العلاقة بين الأهمية الدينية والفكر المحافظ تؤثر عليها العوامل الجينية إلى حد كبير. العامل الجيني في هذه العلاقات يبين أنه ربما يكون هناك استعداد مبدئي يقود الفرد إلى تبني مبادئ وإيديولوجيات محافظة.
من هذا المنطلق يعدّ الحزب الديمقراطي بعيدا عن هذه الشريحة من الناخبين بسبب أفكار الحزب التي تؤيد الإجهاض وزواج المثليين. وإذا كان هذا الاستعداد يتعلق بالجينات جزئيا كما تبين الدراسة، فإنه لا يتعلق بالنقاش المنطقي والتنازلات.
يقول داستين تينجلي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة هارفارد، إن الظواهر التي يصعب تفسيرها في العلوم السياسية تصبح أكثر وضوحا عندما تُفهم التفاعلات على ضوء الاختيار الطبيعي وعلم النفس التطوري. أما ستيفن بينكر، أستاذ علم النفس في جامعة هارفارد، فيدعو إلى التريث وإجراء المزيد من الدراسات في مجال علم النفس التطوري وفي علم النفس السياسي والخصال الوراثية المزاجية. ويؤكد البروفيسور بينكر أن الاعتراف باحتمال أن تكون الاختلافات الجينية عاملا مؤثرا مسألة مثيرة للجدل إلى حد كبير. إذا كان الناس يختلفون جينيا من ناحية الضمير والذكاء والصفات النفسية الأخرى، فليست جميع الاختلافات بين الناس من النواحي الاجتماعية والاقتصادية هي نتائج أوتوماتيكية لنظام مزور.
أما الباحث في مجال علم النفس التجريبي في جامعة أوكسفورد جيم إيفيريت فيقول في دراسة نشرها 2013 إن هناك زيادة ملحوظة في نتائج البحوث والدراسات التي تبين أنه قد تكون هناك اختلافات متناسقة في الطريقة التي يفكر بها الذين يتبعون التيار الليبرالي والتيار المحافظ، وأن هذه الاختلافات الأساسية قد تدفع الأفراد للميول باتجاه واحد من الأطياف السياسية أو باتجاه الطيف الآخر. ويضيف الباحث جيم إيفيريت أن الحاجة إلى النظام، والبنية الهيكلية، واليقين، والحزم، والتنظيم تبدو عادة أكثر مركزية في طريقة تفكير الذين يعتنقون مبادئ التيار المحافظ، بينما أن التسامح والغموض والتعقيد والانفتاح الزائد على التجارب والخبرات الجديدة يبدو أنها مرتبطة بشكل أكبر مع الذين يتبعون أفكار التيار الليبرالي.
ربما كان الأساس المنطقي الأهم بالنسبة للبحث والدراسات العلمية في مجال إمكانية توارث الصفات المزاجية والشخصية فيما يتعلق بتطبيقها على صنع القرار السياسي هو أن مثل هذا البحث يستطيع أن يعزز ويقوي قدرتنا على فهم الإطار الأكثر اتساعا والذي يقوم في داخله الخطاب والجدل العام بتشكيل وصياغة النتائج الرئيسية.
لماذا نحن خائفون من الدراسات في مجال علوم الجينات؟ إن رفض هذه الدراسات والأبحاث أو توجيه اتهامات تجعلها تبدو بشكل شرير، خاصة في الوقت الذي يتم فيه تحقيق تطور ممتاز في مجالات مشابهة بسرعة مذهلة، هو لجوء إلى الدفاع بطريقة جاهلة وغير علمية. الغالبية العظمى من أولئك الذين يقومون بإجراء التجارب والدراسات في مجال العلوم الجينية وعلوم الأعصاب وعلم الأحياء التطوري على دراية تامة بالأبحاث المشوهة التي قدمت نتائج عنصرية تدعو إلى كراهية الأجانب في الماضي. ولكن مع تضاؤل احتمالات تكرار مثل تلك الإساءات، فإن وضع قيود على الحرية الفكرية، حتى لو كانت هذه القيود مجرد حواجز نفسية، سوف تكون لها نتائج ذات مردود عكسي. نحن بحاجة إلى جميع الأدوات الممكنة لزيادة فهمنا لأنظمتنا في الحكم الذاتي وكيف أصبحنا مخلوقات سياسية بالشكل الذي نحن عليه.