كان يوماً عصيباً من أيام صيف أوروبا الذي يتخفف فيه القوم من ملابسهم، إلى الحد الذي لا تكاد تميز فيه اللابس من «الفاسخ» أو القانع من «المعتر».. وكنت قد تسحّرت بـ»تفاحة» وجدتها في ثلاجة الغرفة، التي كان قد أخلاها نزيل قبلي.. ذكرتني، هذه التفاحة اليتيمة، بتفاحة آدم الذي أكل هو وزوجته من الشجرة، فبدت لهما سوءاتهما..
ما كنت أريد ـ بالتأكيد ـ أن تبدو للناس سوءتي، مع أن الناس هناك لا يبالون ـ على سالف عاداتهم وسلوك بلدهم ـ إن ظهر لي منهم ما خفي وهو (أعظم)!
صوموا صوموا، لا عليكم إنما الأجر على قدر النصب، والله يجزي من صام وترك الطعام من أجله سبحانه.
كانت أشعة الشمس قد تسللت إلى وجهي، في اليوم الثاني من الصيام في الغربة ـ بلا سحورـ، وتمنيت تفاحة الأمس التي ظفرت بها في «الثلاجة»، لكن الخيط الأبيض كان واضحاً ومحدداً، يعلن بدء يوم طويل ليس من المؤمل أن ينتهي في المنظور القريب!
ولجأت إلى النوم، أقطع به ظهر النهار وبطنه، آملاً في أن ينتهي..
كنت أصحو في كل مرة والشمس لا تكاد تغادر مكانها من النافذة.. وفي آخر إغفاءة نهضت على طرق الباب.. كان القادم يحمل جزءاً من «تورتة» حفل وطبقاً من الفاكهة وكان يحمل لي ـ وهو لا يدري ـ كل ألوان العذاب..!
أشحت بوجهي عن هذه النعم الظاهرة الباهرة، مسترقاً النظر إليها مرارًا كلما دعت الحاجة!
كنت أتحسس جبهتي وكأني أطمع في وعكة «خفيفة» أو حتى «ثقيلة» تضع حداً لصيام أطول نهار.. ولسان الحال يقول بكل لغات العالم: أما لهذا النهار من آخر؟!