أكد إمام وخطيب المسجد الحرام الدكتور صالح آل طالب في خطبة الجمعة أمس أن ما لحق بجنوب السعودية في نهار رمضان من حمل غلاة للسلاح، والخروج على جماعة المسلمين، وقتل الأنفس المعصومة في نهار رمضان، لهو خسارة للدين والدنيا، إذ باعوا أوطانَهم، وأحدثوا حدثا عظيما في شهر كريم، وفجَروا في بلادٍ أهلُها صائمون قائمون، وأزهقوا أنفسا صائمة.

الدعوات لرجال الأمن

ونادى خطيب الحرم من لَحِقَ بالغُلاة قائلا: استعتِبْ ما دامت روحُك في جسدك، ولم يُختَم بعدُ عملُك، وإياك أن يُريقَ سلاحُكَ دمَ مسلم، مطالبا طلبة العلم ومنابرِ الإعلام أن يكونوا على مستوى الحدث في التحذير والبيان؛ فهذا دينٌ لا مجاملةَ فيه، وأمنٌ لا مساومة عليه، مؤكدا أنه عَيْبٌ على فردٍ أن يستغلّ مُصابَ بلده لتمرير أجندته وشهواته، فكثيرٌ من طرحِ أولئك يَصُبُّ الزيتَ على النار، ويُفسد ولا يُصلح.
وحذر إمام الحرم من التصدعات الداخلية التي تراد للمنطقة العربية في سبيل تغيير معالمها وحدودها، في توجيه لمصير مظلم، مطالبا بالكف عن التهييج والإثارة، مطلقا من منبرِ الكعبة المشرَّفة: دعوات شكر لرجال الأمن الذين يُرابطون في الثغورِ وفي داخل البلاد.
وأشار خطيب الحرم إلى اجتماعات لشرذمة جاهلة، زال الدِّينُ من نفوسِهم، وانمحت الإنسانيةُ من صدورِهم، لعبتْ بها مخابراتُ العدوِّ لُعبتَها، ووجدت في خواء عقولهم بغيتها، ونصبت عليهم شياطين في هيئة شيوخ يفتونهم، ليس بجهل فحسب، بل بتضليل متعمد، حدثاء الأسنان، لا يُعرفون بعلمٍ ولا سابقةٍ في الإسلام؛ فأفسدوا على المظلومين مطالبَهم العادلة في العيشِ الكريم، وفتحوا الباب لتقسيم بلاد المسلمين، واصفا إياهم بأنهم يستحلُّون الدَّمَ الحرامَ بأبشعِ قتلة، ويَسلبون المالَ بأدنى حيلة، ويُبيحون انتهاكَ العِرض بأوهى سبب، حيث أذاقوا المسلمين والمُجاهدين السُّوءَ، وانخدَع بهم شبابٌ من بلادِ المسلمين، لحِقوا بهم فمسَخوا أفهامَهم.

ترويج العصابات

وبين آل طالب أن هناك جماعات وعصابات روجت أنه لم تعد على الأرض بلاد للإسلام إلا الأرض التي استباحتها باسم الخلافة، وما ثمة مسلمون إلا من بايعوا رئيس تلك العصابة، في حال يوجب على العلماء تسمية الأشياء بأسمائها، مؤكدا أن أولئك قومٌ لا غرضَ لأسلحَتِهم إلاَّ صدورَ المسلمين، ولا هدفَ لمُخطَّطاتهم إلاَّ بلادَ المسلمين، لافتا إلى أن الكيانات التي لا تقوم إلا على خفر العهود واستحلال الدماء المعصومة والغدر بإخوانهم وحماية الظالم والباغي؛ لهو كيانٌ مهتوك الستر.
وتحدث خطيب الحرم عن الذكريات والانتصارات التي حققها المسلمون في شهر رمضان، إذ كانت فيه غزوة بدر وفتح مكة، وغيرهما مما كان سببا في رفعة الإسلام، وحفظ الأمن وقيم الحضارات، لافتا إلى أن هذه الذكريات تمر اليوم والأمة مثقلة بالآلام، ومثخنة بالجراح، مشيرا إلى القتال في ذلك الوقت لمواجهةِ من حملَ السلاحَ فحسب، وكانت أولى الخطواتِ بعد التمكين: تأمينَ الناسِ ووضع المظالمِ والآصار عنهم، بخلاف هذه الأيام التي صار فيها المسلمون أكثر ما يكونون حملاً للسلاح وبذلاً للأرواح؛ ولكن على بعضهم، والصائم يقتل صائما، والمصليان يقتتلان كل منهما يريد الفردوس بدم صاحبه في مشهد فوضوي يجعلنا نشهد موسما للانتكاسات والانكسارات.

الإساءة للدين

وأضاف آل طالب قائلا: تطيف بنا ذكريات أخلاق المسلمين في حروبهم وكثير من بلاد المسلمين اليوم بها احتراق، وبأيدي كثير منهم أسلحة وحراب، وعلى رغم احتلال بعض بلاد بعضهم وشتاتها إلا أن السلاح موجه لإخوانهم، وتحول معنى التحرير عندهم إلى استلاب أرض إخوانهم المسلمين، التي بها مساجدهم وبيوتهم، وصار القتل عند كثير منهم تسلية، وفي أحوال منهم لأسباب لا تستحق حتى مجرد العتب حتى باللسان، وألبسوا جريمة انتهاك الأعراض لباس السبي، في هوس جنوني يستبيحون ذلك باسم الله وشرعه، وهم الذين أساؤوا للدين على نحو عجز أعداؤه عن بلوغه.

تهذيب السلوك

وفي المسجد النبوي الشريف تحدث الدكتور حسين آل الشيخ عن حسن الخلق وأهميته في الإسلام وفي نهج الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، مستشهدا بالحديث الذي رواه الترمذي، أن النبي عليه الصلاة والسلام، قال «اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن«.
وأكد إمام وخطيب المسجد النبوي في خطبة الجمعة أمس أن الإسلام منظومة كبرى تشمل أحكامه ما يكفل سعادة البشرية وصلاحها، مبيناً أن من دروس هذا الشهر المبارك أنه مدرسة تربوية تربي المسلم على المبادئ الفضلى، والأخلاق العظمى، والمسالك المُثلى، لتقيم مجتمعاً إسلامياً راقياً في أخلاقه وسلوكه وتعاملاته، مذكراً بأن شهر الصوم يمثل فرصة لتهذيب السلوك وضبط النفس، والتحكم في جموحها لتنهى عن كل خُلق رذيل، ومسلك مشين، فيكون المسلم بذلك في كل أحواله على صفة عالية من الرفق واللين والسماحة والعفو، بعيداً عن العنف بأشكاله القولية والفعلية، مجانباً الفحش بمختلف صوره مهما كانت الدوافع، ومهما تعدّدت أساليب الاستفزاز له، مورداً في ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم «فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن شاتمه أحد أو قاتله فليقل إني صائم".