خيام في وسط الجدب والعراء، وأم تجلس أمام خيمتها وعلى كتفها رضيعٌ يصدح بالبكاء. وأطفال حفاة يجرون متوشحين الغبار والأوساخ، وفجأة يظهر في وسط هذا الدمار مذيعة يتهادى شعرها على كتفيها، تلاحقها الكاميرات لتصورها مع إحدى قاطنات هذه الخيام، لتسألها (صفي معاناتك لنا)، لتستغرق تلك المسكينة في قص معاناتهم مع الفقر والتشرد والموت، وقد ارتسمت على وجه المذيعة أقسى درجات الألم والتعاطف. وينتهي المقطع المؤثر بتلك المذيعة، أو ذلك المذيع يتهادون في مشهد درامي من قلب المعاناة ليشجعوا المتفرجين على التبرع لهؤلاء المساكين بما تجود به أنفسهم، لينقذوهم من هذا الوضع التعيس.
لست أشكك في صدق المبادرة أو جدية أهدافها، ولكنني أتساءل عن مدى جدواها أو البعد الحقيقي لفائدتها. فلقد تبرع العالم كله لأفريقيا، وما زالت أفريقيا تعاني الحروب والفقر والجهل. ولقد تبرع الكثيرون لفلسطين، وما زالوا يرزحون تحت الاحتلال والظلم والقهر. ولقد تبرع الكثيرون لبورما وبنجلاديش وغيرها من الدول الإسلامية. ورغم ملايين الملايين التي تصب في التبرعات كل عام، إلا أننا لم نسمع يوما أن هذه الأموال حلت مشكلة أو أنهت معاناة. فما زال الفقير فقيرا، و ما زال المشرد مشردا، وما زالت القذائف تسقط على بيوت الأبرياء.
إن الطرح الإعلامي لمساعدة مهجري سوريا إنما هو مبادرة نمطية، توصم شعباً كاملاً بقلة الحيلة، والحكم عليه بالمسكنة والعوز والاستجداء. و كان الأجدى لو أنهم استحدثت لهم أنظمة للتعايش في البلدان المجاورة كما فعل رسولنا المصطفى حين هجرة المسلمين إلى المدينة. أو أن هذه الأموال الطائلة التي يُتبرع بها فُتحت بها مراكز، ونُظمت بها برامج قوية للتأهيل والتعليم والتدريب يقوم عليها السوريون أنفسهم. فما يحتاجونه حقا هو برامج توفر لهم الفرصة لمساعدة أنفسهم بتمكينها وإثبات قدرتها على التعايش والتكسب. إنهم يحتاجون أن نزرع فيهم الأمل والإباء، أن نحافظ على عزة أنفسهم بأن نظهر لهم كم هم فعلا قادرون وأقوياء. فهل يا ترى يعكس إعلامنا هذا الانطباع؟