ما إن قررت الكتابة عن الحملة التي نفذتها أمانة جدة على مطاعم ومطابخ ومجازر المحافظة، بغية الوقوف على حالة النظافة فيها، وطبيعة المواد الغذائية المستخدمة في الوجبات التي تقدمها لزبائنها، حتى تزاحمت في رأسي الأسئلة والأفكار.
والتزاحم ليس بسبب الحملة وتبعاتها فحسب، بل لتوقيتها، ومدى صدقيتها واستمراريتها، وأين كانت سابقا، وجدوى الإغلاق المؤقت، وهل مبدأ العدالة متحقق على الجميع أم إن هناك محسوبيات، وماذا عن قانونية التشهير، هذا إضافة إلى العديد من الأسئلة التي تظهر مع الانتقال السريع من مرحلة السلحفاة إلى الصاروخ.
بداية لا أشكك في نزاهة العمل الذي تقوم به الأمانة، خاصة وأنه يمس ما يدخل بطوننا، إلا أن لدي شكوكي حيال أهدافها، وذلك لسببين، الأول أن الحملة بدأت من الأعلى نزولا إلى الأسفل، من خلال استهداف المطاعم الشهيرة على حساب الشعبية، بالرغم من أن جميع المؤشرات؛ العدد ومستوى النظافة، كانت تحتم عليها البدء بالشعبية أولا.
والثاني أين الأمانة من مراقبة باقي فروعها، سواء مخالفات البناء، أو نقل المخلفات من الشوارع، أو تفريغ مياه الصرف في غير أماكنها، إن كانت جادة في الاهتمام بـ«صحة المواطن» وليس البحث عن الجماهيرية والشعبوية.
تجاوزا سأحسن النية تجاه هذا العمل، وأنطلق من كون الأمانة دخلت مرحلة جديدة من المراقبة والمحاسبة ضد كل ما يضر بالمواطن، وأسأل: لماذا دمجت في صفحتها على فيس بوك بين المطاعم «المخالفة» و«المُعَاقبة»، خاصة وأن الأولى لم يترتب على جرمها «الإغلاق».
هذا الأمر قادني إلى سؤال أحد مسؤولي هذه المطاعم عن فحوى مخالفتهم، فتبين أنها نتيجة عدم ارتداء بعض العمال الزي الرسمي، وهي بحسب النظام مخالفة تستوجب «الغرامة» وليس «التشهير». ولكن ما حصل أن الأمانة أدرجتهم في قائمة واحدة مع من صدر بحقهم قرار الإغلاق، فاختلط حابل «المخالف» بنابل «المعاقب»، وأصبحوا جميعا لدى السواد الأعظم من الناس «مذنبين»، مما انعكس سلبا على سمعة منتجهم.
شخصيا أتمنى أن تضرب الأمانة بيد من حديد على كل من يخالف اشتراطاتها الصحية، وأن يكون ديدنها في الإغلاق النظام الأوروبي، الذي يقضي بالإغلاق المؤقت لثلاثة أشهر عند المخالفة الأولى، ونهائيا إن تكرر الأمر.
ولكن قبل ذلك على الأمانة ترسيخ مفهوم الثقافة الصحية لدى مسؤولي هذه المطاعم بشتى الوسائل الممكنة، مع ديمومة الحملات التفتيشية، واعتبار هذه البداية نقطة عبور للحصول على ثقة المواطنين، فيكونون عينها التي ترى بها وأذنها التي تسمع بها. وحتى ذلك الحين سأعتبر أن هذه الحملة هي لـ«الشو» أو الظهور الإعلامي، لا أكثر ولا أقل، ما لم تقنعنا الأمانة بخلاف ذلك.

 

[email protected]

alnowaisir@