في عام 1401هـ تقريباً التحقت في الإجازة الصيفية بمركز لتحفيظ القرآن، وحصلتُ على جائزة ماليّة حينها بعد حفظ أجزاءٍ، نويتُ أن أشتري بها وسيلة مواصلات تعينني على تنفيذ أوامر والدي ووالدتي لشراء حاجيات البيت وخاصّة (البرسيم) طعامُ أغنامٍ كنّا نقتنيها في ذلك الوقت، بإصرارٍ من جدّتي رحمها الله، وبالفعل نلت بغيتي وأصبح لديّ بسكليت من نوع (لاري) مقاس 24 ذات العمود الواحد حمراء اللون أستعرض بها مهارتي الضعيفة في قيادتها بين أبناء الحارة، وكنتُ حينها حديث عهدٍ بانضمامٍ لملّاك (البسكليتات) وحذّرني كثيرٌ من زملاء الاقتناء بأنّ رجال المرور بين الحين والآخر يقومون بحملات لمصادرة تلك الآلات من صغار السنّ دون أن نستوعب في ذلك الوقت أو نفهم السبب ولا نوعية المخالفة، وقد رأيت بنفسي في تلك السنة في شارع السيح بالمدينة كمّية (البسكليتات) التي قبضت عليها مجموعة أفراد المرور وراكمتها في سيّارة نقل كبيرة تجاوز عددها إن لم أكن مخطئاً الخمسين، ولم أكن ممّن يقود واحدة منها في ذلك التوقيت لأن (بسكليتي) سُرقت بعد شهر من شرائها، فدعوت على سارقها بأن يكونَ حظّه منها مصادرة المرور لها، وفي ذلك الزمان ورغم التضييق على جيلي في هذا الشأن دونَ أن نسمع عن رخصٍ تُمنح لسائقيها كانت هذه الآلة تؤدّي غرضاً كبيراً للعائلة ولياقة طبيعيّة صحيّة لنا، ووسيلة فرح ولهو منقطع النظير، واليوم استدعيتُ هذا الموقف لمّا سمعتُ عن تشجيع بلديّة (لندن) لقيادة واستخدام الدراجات الهوائيّة في هذه المدينة المكتظّة بالسكان والسيّارات، وقلتُ لقد نجحَ في ذلك الزّمان سنةً بعد سنةٍ برنامجُ التضييق على صغار السنّ ومن في حكمهم تجاه هذه الوسيلة حتى أصبحت من الماضي فيما يتعلّق بالاستخدام العادي وتنقّل المراهقين بين حيّ وآخر ليتّجهَ نظرهم مباشرة إلى سيّارات لم يصلوا لسنّ يصلحون لها وتصلح لهم في ردّة فعل اجتماعيّة طبيعيّة وعانى رجال المرور بل والوطن بأسره من ذلك إعاقاتٍ ووفيّات ما الله به عليم، لتأتي الدرّاجات الناريّة التي كنا نسميها (الدّباب) ولا نجرؤ على استخدامها إلا في فترة من سنّ العشرين وما بعدها لتكون وسيلة لهو ولعبٍ في ساحات النّزهة والتّجمعات رغم خطورتها التي لا يختلف عليها اثنان، من كلّ هذا السّرد التاريخي البسيط أستطيع أن أقول بأنّ تنظيمَ استخدام واستعمال أيّ أمر أو خدمة أو جهاز لا يعني الاجتهاد في التعامل مع أصحابه ولا إلغاء إباحته الأصليّة إلا إن كانت النيّة ترْكَ الأمر للزمن بحيثُ يزهد المحتاجون في الإقدام على مثله فتُغيّبُه الأيام كما فعلت مع (البسكليت) بالنسبة للصغار في شوارعنا وأحيائنا إلا النزْر القليل على استحياء، وحينَ نرغبُ في ذلك أو يرغبون هم فيه أو يحتاجه المجتمع فإننا لا ننكر بأنّنا في حاجة ماسّة لبنية تحتيّة في طرقنا وتصميم شوارعنا تسمح لهذه الوسيلة أن تعود لمستحقّيها وراغبيها ومحبّيها بسلام.