لا يهمني هنا أن أناقش مسألة تغطية الوجه من عدمها، فهي مسألة خلاف فقهي قديم بين المذاهب الأربعة وقد أُشبعت تحليلاً واجتهادا من قبل الباحثين الشرعيين، وكل له حرية المسلك في المسائل الخلافية، ما لفت نظري هي مجموعة الشتائم والسباب التي نالها الشيخ أحمد الغامدي على خلفية خروج زوجته «المحجبة» معه في برنامج الزميلة بدرية البشر على قناة MBC، والتي قادها مجموعة من التيار المعارض للأفكار التي يصدح بها بكل شجاعة الشيخ الغامدي.
اعتدنا في كل مرة يخرج فيها أحد الباحثين الشرعيين ويبوح برأي مخالف للتيار السلفي التقليدي في «مسألة خلافية» أن نجد حشودهم تلتف بشكل منظم تحت قيادات ورموز تحركها تغريدات مبطنة، تحرض على مهاجمة وتسفيه الرأي المخالف له حتى ولو كانت مسألة خلافية قد حُسم التعايش معها منذ سنين في جميع أرجاء الأرض كقضية الحجاب، فغالبية المسلمين متصالحون مع هذا الخلاف الفكري فكل له حرية اختيار حجابه إما بتغطية الوجه أو كشفه، لكن لدينا في السعودية المسألة ليست خلافية عند الغالبية إنما هي «محسومة» شرعاً بل من المسلمات التي يرى فيها البعض أن الخوض بها فتنة وتأليب على موروث حميد اكتسبوه!
والدليل على ثبوت قولي هو ما قرأناه في مواقع التواصل الاجتماعي من قذف وانتهاك لِعرض وشرف الشيخ أحمد الغامدي، في صورة مقززة تكشف عن مرض قلوب مظلمة، لا تستطيع التخلي عن عبودية الفكر والنهج الواحد، فهم يَرَوْن أن التحرر منها مصيبة المصائب، بل يجب التبرع بالتعاون والتعاضد لمحق كل من خرج على تلك العبودية الفكرية.
في نظري أن هناك شخصيات دينية متشددة تُبطّن في داخل تغريداتها السموم وتبثها لمتابعيها حتى تبرر لهم مهاجمة مخالفهم في الرأي، كأحدهم الذي قام بلمز الشيخ الغامدي على أن أساليبه أساليب السفهاء عندما غرّد «يفرق العقلاء بين خلاف الفقهاء وأساليب السفهاء، فمن يحلل النبيذ في سوق الخمور كمن يؤصل للعفيفة بكشف وجهها وسط العاريات»، وفي تغريدة أخرى يكتب «إذا رأيت من يتتبع مسائل الخلاف ليحلل ما يمكن تحليله باسم البحث عن الحق، ولا تجده يغار على انتهاك المحرمات القطعية فهو صاحب هوى»، انظر إلى هذا الشيخ الفاضل، كيف يصف مخالفه بالسفه واتباع الهوى، فبدل أن يرد عليه بنصوص شرعية أخرى، اختار أن يؤلب جماهيره على مخالفه، وأنا هنا أسأل المغرد؛ ألا تخشى أن يمسك ذنب في ما أصاب الشيخ الغامدي من سب وقذف وانتهاك لعرضه؟
لقد خرج الشيخ الغامدي «الشجاع» بأجر الشامتين والقاذفين له ولحرمه «المصون» وأصاب مخالفيه في مقتل، فهو الشخصية الدينية الوحيدة الذي أثبت لمن طالبوه بضرورة خروج زوجته برفقته «محجبة» لا أن تكون «منقبة» تحت بند سؤال «طيب.. هل ترضاها لزوجتك أو ابنتك؟» ظناً منهم أنه سوف يكون أسيراً للعادات والأعراف التي أضحت بعضها عقبة في قبول أو تجديد فكرة جديدة! لكن الغامدي كان شجاعاً فقد عزز رأيه بالتطبيق على عكس كثيرين ممن يفتون بذهاب أبنائنا إلى الجهاد شريطة أن يكون أبناؤهم في منأى عن ذلك.
الغامدي خرج بأجر الشامتين!
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
