تزايد معدل عدم المساواة بين الغني والفقير في المجتمعات الغربية أصبح مرة أخرى قضية أساسية. لكن السبب هذه المرة ليس فقط الاضطراب الاجتماعي الذي يسببه التوزيع غير العادل للدخل في العالم الغربي، بل هناك أفكار جديدة بأن الفقر قد يكون أخطر مشكلة تعيق الانتعاش الاقتصادي في الغرب.
حتى بداية القرن الماضي، كان التوزيع غير العادل للدخل مقبولا كمشكلة آلية يمكن أن تعيق النمو الاقتصادي سواء كان هناك تراجع في مصالح المستثمرين أو الطبقة العاملة. المنطق وراء ذلك الاعتقاد كان بسيطا: الانحدار الحاد في الأرباح أو الهبوط الكبير في الطلب الذي تنتج عنه خسارة في الأرباح سوف يثبط الاستثمارات الجديدة، ونتيجة لذلك سيعيق النشاط الاقتصادي.
خلال القرن الماضي، بدأت الحكومات، خاصة في الدول الغربية، في التعامل مع التوزيع غير العادل للدخل على أنه مشكلة اجتماعية وإنسانية. ومن الطبيعي؛ أصبح مقبولا أن الفقر يمكن أن يؤدي أيضا إلى بعض المشاكل السياسية، ولكن ليس بنفس أهمية وخطورة المشاكل الاجتماعية. الحكومات التي كانت لديها أيديولوجيات مختلفة طبقت سياسات مختلفة لمحاربة الفقر، لكن نسبة العائلات الفقيرة في العدد الإجمالي للسكان، حتى في بعض الدول الغنية، لم تتغير بشكل ملحوظ. الوضع في البلدان الفقيرة والناشئة هو طبعا أسوأ.
يجب قبول أن الفقر ليس فقط مجرد مشكلة اجتماعية خطيرة، لكنه أيضا مشكلة اقتصادية تعيق الانتعاش الاقتصادي، حتى في الدول الغنية. التجارب السابقة تشير إلى أن مكافحة الفقر ليست سهلة. بعض العلاجات البسيطة من وجهة نظر الاقتصاد الكلي، مثل زيادة الرواتب أو زيادة ضرائب الأكثر ثراء، لم تكن فعالة على الإطلاق في إعادة التوازن إلى توزيع الدخل.
من المفهوم الآن أن الفقر يعيق الانتعاش، حتى في البلدان الثرية الخالية من المشاكل. تزايد عدم المساواة أضعف القوة الشرائية للطبقة الوسطى في جميع الدول. نتيجة لذلك، حتى السياسات النقدية والمالية الفضفاضة لم تحفز على زيادة إنفاق المستهلك. عندما لا يستطيع الناس أن يتوقعوا ما سيحدث في المستقبل، فمن الطبيعية أن يلجؤوا إلى ادخار أدنى زيادة في دخلهم المادي بدلا من إنفاقه أو استثماره في مستقبل الأسرة. النتيجة المؤسفة للمشكلة الأوروبية هي زيادة الفقر في البلدان التي طبقت إجراءات تقشفية.
النقطة المهمة الأخرى هي العلاقة الوثيقة بين عدم المساواة وعدم الاستقرار الاقتصادي - السياسي. عندما يتم تعميم هذه المسألة، خاصة في البلدان الناشئة، ليس من الصعب فهم بعض الحقيقة عن الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المتكررة في تلك الدول التي لا علاقة لها بأي مشكلة في باقي أنحاء العالم.
هذه المشاكل وصعوبة التعامل معها يجب ألا تمنع البحث عن أساليب عقلانية لمكافحة الفقر. هذا ضروري أيضا من أجل سلام اجتماعي عالمي ومنع الاضطرابات السياسية التي لا تضر الانتعاش الاقتصادي فقط ولكن أيضا الهيكلية الديموقراطية في البلدان الغربية. بالنسبة للفقراء البائسين، أي نوع من الوعود غير المنطقية قد يبدو منطقيا. هناك حكمة في فهم أن التاريخ عموما يكرر نفسه.
عدم المساواة يعيق الانتعاش الاقتصادي في الغرب
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
