هل يمكن أن تكون الممارسة السياسية محكومة بالأخلاق والمبادئ، أو أنها كما يقال في عالم السياسة وواقعها لا تخضع إلا لقانون المصالح فقط، حتى ولو كان ذلك على حساب المبادئ والمثل التي توافق عليها الناس جميعا.
إن من تأمل الواقع السياسي القائم في العالم كله والممارسات السياسية المشاهدة وتابع تحركات الدبلوماسيين وتصريحاتهم وراقب سلوك الدول ومخرجات المؤتمرات والاجتماعات واجتهد في قراءة ما بين السطور وما خلف التصريحات، بل وتأمل ما تخفيه الابتسامات والقبلات وكان له حظ من القراءة التأريخية وعنده ذاكرة حاضرة، فسيدرك قطعا أن السياسة في الأعم الأغلب ليست سوى حركة البحث عن المصالح الخاصة للدول مهما كان ثمن ذلك وأيا كان حجم الجرائم المبدئية المترتبة على ذلك البحث، فأمام هذه المصالح تتلاشى القيم وتنحر المبادئ وتسترخص الدماء وتستباح الحقوق وتنتهك الحرمات وتنهب الخيرات، وإذا كان يحلو للبعض أن يربط هذا السلوك باحتذاء نظرية مكيافيلي في كتابه الأمير وهو الذي قرر فيه مثل هذه النظرية للحكم الناجح، فإن الذي أظنه أن الرجل لم يكن سوى راصد ذكي لواقع السياسة ولم يصنع نظرية توجيهية جديدة حقا ولهذا كان بعض السياسيين يطبقون نظريته تلك دون أن يعرفوه أو يسمعوا بكتابه.
وإذا نظرت إلى أكثر من صدع رؤوسنا اليوم بحقوق الإنسان وتشدق بالديمقراطية والحريات وهو الغرب وأمريكا في مقدمته فسترى أنه أشد من خالف هذه الشعارات وداس عليها بأقدامه، فهذا الغربي الذي يتحدث مثلا عن اتفاقيات منع أسلحة الدمار الشامل بأنواعها لم يتورع عن استخدامها حينما تعلق الأمر بمصالحه هو في مرات عديدة، ولهذا المعنى فلا بد للعاقل أن يقرأ تحرك الغربي في العالم وفي منطقتنا تحديدا من خلال هذه الخلفية تحديدا، فهو لا يؤمن إلا بمصالحه المجردة ولا يعمل إلا لها منذ أن مارس الاستعمار الإجرامي المباشر إلى اليوم الذي بات يمارس فيه الهيمنة السياسية والاقتصادية والثقافية على كثير من دول المنطقة العربية، وعلى من لا يزال يؤمن بأن الغرب يعمل وفق القيم الأخلاقية والمبدئية التي يظهرها للعالم أن يتذكر جريمة اغتصاب فلسطين المتجددة والحرب المدمرة القريبة في العراق والمبنية على أكذوبة مختلقة وأخيرا تركه للحرب السورية الطاحنة مستمرة في حصد أرواح مئات الآلاف من الأبرياء دون أن يسمح بانتهائها برغم أنه في لقطة عابرة نزع سلاح الأسد الكيماوي من النظام السوري بمجرد التهديد لمصلحة أمن إسرائيل كما تبين لاحقا، والمقصود أن فهم هذا الأمر سيفيد المتابع في عدة اتجاهات، من أقربها أن لا يقرأ ما حوله ببراءة وسذاجة وعليه أن يتعامل مع السياسة والسياسيين بقانون الشك ابتداء.