كثيراً ما يختلط الأمر علينا، فنظن أن العلم هو التكنولوجيا، رغم أن القليل من التفكر يكشف لنا أن التكنولوجيا ليست سوى إحدى ثمار العلم، والتمرة كما تعرفون - أعزّكم الله - ليست هي النخلة!
وكل أمة لديها الحد الأدنى من القدرة الشرائية تستطيع ابتياع التمر بأي كمية شاءت، لكنها تعجز عن شراء العلم مهما أوتيت من ثراء، فالعلم طريقة تفكير، تُزرع في العقول كالفسيلة، وتتعهدها الأمم بالرعاية سنوات وعقودا، وتوفر لها هواء الحرية النقي، وضوء شمس التسامح والقبول، لتنمو بمضي الوقت، نخلة شامخة لها نتاج.
ونقف الآن - نحن العرب - عند مفترق طرق تاريخي، سيحدد اختيارنا فيه مستقبلنا خلال القرن الحالي، بل ربما يقطع هذا الاختيار في شأننا بين الوجود والعدم؛ هل نختار توطين العلم في مجتمعاتنا أسلوبا معتمدا للتفكير والحياة؟ وهل نجرؤ على منح العلماء الحرية المطلقة التي بدونها يعجزون عن ممارسة عملهم المعقد؟ وهل نحن على استعداد لحماية النزاهة الفكرية لباحثينا العلميين، حتى وإن تصادمت أفكارهم مع بعض معتقداتنا الراسخة؟ وهل لدى حكوماتنا الرغبة والشجاعة لإنفاق نسبة أكبر من الموارد على تمويل مشاريع بحث علمي حقيقية لا شكلية؟ وهل تقبل مجتمعاتنا العربية وجود طليعة علمية قد تؤدي بحوثها المعمقة إلى تحدي المسلمات التي تستنيم إليها المجتمعات؟
..
اصطحبني وكيل إحدى وزارات البحث العلمي العربية في جولة بالمركز البحثي الحكومي الرئيسي للوزارة، مُطنبا في الحديث عن الأجهزة المتقدمة التي أمدت بها الحكومة المعمل، وعن مئات الملايين التي أُنفقت، والخبراء العالميين الذين استُقدموا، لنقل الخبرة العلمية، ولتدريب الكوادر العلمية الشابة..
ثم عرفني الرجل على كوكبة من العلماء العاملين بالمركز، والمنوط بهم دفع البحث العلمي قدما في الدولة، والذين يُنتظر منهم اكتشافات تخرق حُجُب الجهل، وترفع رايات العلم.. فانشرح صدري ودهمتني نوبة من التفاؤل، فها نحن نسير على طريق العلم بجدية، ولا نبخل على علمائنا بمالنا الشحيح..
لكن صدري عاد يضيق، وتفاؤلي اضمحل حين أخذ كل واحد من هؤلاء (العلماء) يشكو لي على حدة، من أن زملاءه يتخطونه في الترقيات، لأنهم يجيدون أكثر منه مداهنة المدراء والرؤساء.. وكنت كلما سألت أحدهم عن مشروعه البحثي الذي يشغله، نظر لي بدهشة معترضا، فلا صوت يعلو لدى هؤلاء العلماء الموظفين فوق صوت الترقية والعلاوة والمكافأة... فأدركت حينذاك السبب في أن الاكتشافات (العلمية) العربية المعاصرة يحتكرها زغلول النجار وأشباهه من مزوري العلاقات بين النصوص والمعادلات!
فنحن أمة تكاد تكون عاجزة بطبيعة بنيتها الذهنية عن إنتاج العلماء، وتخصصها هو إنتاج الموظفين والملفقين!
العلماء يدركون جهلهم ويناضلون مكرسين أعمارهم كلها لهزيمته، أو لهزيمة بعض وجوهه على الأقل، أما باقي البشر فلا حاجة بهم للنضال، فهم يعتقدون أنهم يعرفون كل شيء!
وصرت أقرب للإيمان بأن العدو الأول للعرب والعروبة ليس إسرائيل ولا إيران ولا داعش ولا الإخوان بل إن عدو أمتنا الحقيقي هو الجهل.
لقد آن الأوان لأن نكف عن أساليبنا القديمة في الفكر والعمل، ففي زمننا اللاهث هذا يكاد البطء يكون انتحارا، ولم يعد من المتاح لنا ترف انتظار رأي الفقيه ألف عام قبل أن نصدق أن الأرض كروية!
ولم يعد من الممكن أن نسقط في التناقض الفادح الذي يهدر طاقاتنا البشرية ومواردنا المالية، والمتمثل في إرسال شبابنا وشاباتنا للتعلم بالخارج ثم اتهامهم بالكفر والمروق إن هم عادوا إلينا وقد تعودوا على التفكير الحر.. فلا علم دون حرية فكرية مطلقة..
ولا يمكن لنا أن نتشدق بطموحنا في النهوض علميا ثم نستفتي رجال الدين في مناهج الأحياء والفيزياء ونعتبر دارون عدوا للإسلام وآينشتاين يهوديا عميلا..!
لقد آن الأوان للقضاء على سوء التفاهم المزمن بين العرب والعلم.. ولم يعد من حقنا التساؤل ببراءة: لماذا نتخلف علميا دون أمم العالم كافة، بينما نحن نحط من شأن العلم ونعتبره وظيفة حكومية ليس إلا!
يدخل الشاب العربي كلية العلوم بحسب مجموعه لا بحسب رغبته، ويُوظف بحسب الواسطة لا بحسب الموهبة، ويُرقى بحسب براعته في النفاق لا بحسب اكتشافاته..
هذا هو الواقع المرير الذي لا بد من تغييره إن شئنا الانعتاق من جهلنا وتخلفنا.