تساءل كثيرون في تركيا وغيرها، عن سبب التركيز التركي على الصومال، بينما خمسون ألف جندي تركي، يؤدون مهمة منع دخول العوائل السورية الهاربة من نيران القصف والبطش، من النظام والدواعش؟ أطفال صغار ونساء اضطروا في هذا الشتاء، إلى قطع مئات الأميال بحثاً عن ثغرة ينفذون منها إلى ملاذٍ تركي. لقد شكك مراقبون في صدقية الدافع الإنساني والأخوي للرئيس التركي رجب طيب إردوغان، للقيام برحلته للقرن الأفريقي وتحديداً إلى الصومال المنكوبة، لأن من لديه هذه الدوافع، لا يترك بؤساً يقتضي إغاثة إنسانية وأخوية لأناس يعانون على حدوده، ويقطع 2875 ميلاً إلى مقديشو، لكي يغيث أطفالاً وينتشل شعباً من بؤسه.
الاقتصاديون الذين يتابعون، شرحوا الدوافع الحقيقية لرحلة إردوغان إلى الصومال. وهي على أية حال، دوافع مبررة، وليس الاعتراض إلا على تغليفها بمعانٍ ومقاصد أخرى. فقد أصبحت تركيا الآن، معنية بالحفاظ على مركزها في قائمة الدول الغنية، وهو رقم 18 عالمياً، وتكابد أو تسابق الزمن، لتطوير اقتصادها من خلال تعزيز العلاقات الديبلوماسية مع القارة الأفريقية التي يعتبرها العالم مركز الجذب الجيوسياسي والجيواقتصادي في القرن الحادي والعشرين. فتركيا الإردوغانية باتت قلقة على مستقبل اقتصادها، إذ فقدت الليرة ثُلث قيمتها. أما القارة الأفريقية، فإنها حالياً في أمسّ الحاجة إلى التقدم الاقتصادي اعتماداً على ثروات طبيعية غزيرة ومتنوعة، كامنة في بطن الأرض. وبسبب هذا التطلع الأفريقي للنمو، بلغ حجم التبادل التجاري بين الدول المتقدمة وأفريقيا في نهاية العام الماضي 20.6 مليار دولار، 9 منها مع دول شبه الصحراء التي تضم الصومال. وقبل تركيز تركيا على ذلك البلد، كان حجم التبادل بين تلك الدول والعالم .6 5 مليارات دولار فقط. بعدها سارعت تركيا إلى بناء جسور قوية مع بلدان منطقة شبه الصحراء. وفي هذا السياق، حدّقت العين التركية في الصومال من الوجهة الاقتصادية، لأن دلائل عدة ظهرت على وجود احتياطات نفطية معتبرة في مياه ساحلها الشمالي وفي منطقة أرض الصومال. لكن الأمن ما زال عقبة كأداء، وتقول «هيومان رايتس ووتش» إن المواطنين الصوماليين يعانون من خروقات خطيرة لحقوق الإنسان ومن عنف واعتقالات تعسفية. وفي بلدات منتصف الجنوب، أصبح من المعتاد أن يفقد مدنيون حياتهم بسبب العنف. وفي هذا الخضم، يقوم حكم «حسن شيخ محمد» في مقديشو على الدعم الدولي الذي أعطاه المشروعية ووفر له الحماية، لتسعى بعض الحكومات ومؤسسات الاستثمار الدولية، متعددة الجنسية، إلى التقرب منه والدخول إلى الصومال على الرغم من البيئة الأمنية الخطيرة، ابتغاءً لمصادر الثروة!
وكان من مصلحة إردوغان ومن واجبه الأدبي، أن يوازي في علاقته بين جمهورية الصومال التي عاصمتها مقديشو، والجمهورية المنفصلة عنها التي لم تعترف بها الأمم المتحدة، وهي «جمهورية أرض الصومال» وعاصمتها هرجيسيا، ولديها حكومة برئاسة أحمد سيلانيو. وكانت هذه الأخيرة، وبتنسيق قام به إردوغان، قد خفّت لإغاثة أشقائها في الجنوب، عندما تعرضوا للمجاعة في عام 2011. لكن الوحدة المرتجاة للصوماليين ولأرضهم ودولتهم، لم تتحقق، ولم تنعم البلاد بالأمن. أما إردوغان وبدافع من حاجة تركيا إلى إعادة الزخم لاقتصادها، فقد توجه إلى القرن الأفريقي فزار جيبوتي وإثيوبيا واختتم بالصومال في الخامس والعشرين من يناير الماضي. كانت زيارة نادرة، انعقدت بها للرئيس التركي فضيلة دعائية قوامها الحرص على التواجد في أرض مسكونة بالعنف، وفيما يشبه الإغاثة. ذلك بينما المحللون الاقتصاديون، يؤكدون على أنها زيارة أفريقية، توخياً لمصادر ثروة وتعاقدات، في وقت يشهد فيه الاقتصاد التركي عجزاً كبيراً في حسابه الجاري، وتتعرض فيه التدفقات المالية لمخاطر التطاير، مثلما تواجه حكومة أنقرة، متاعب سياسية داخلية وانخفاضاً حاداً في الاستهلاك.