كان اليمن يوم الجمعة الماضي هو العنوان الأبرز في وسائل الإعلام التي تعنى بشؤون المنطقة. ارتسم المشهد السياسي على النحو التالي: سلطة دينية تماثل إلى حد كبير سلطة الولي الفقيه الإيرانية، وهذه في يد عبدالملك الحوثي في صعدة، وسلطة سياسية في يد محمد الحوثي (ينتمي لأسرة عبدالملك) في صنعاء، بعد أن شكل الانقلاب الحوثي مجلساً وطنياً من 551 عضواً من المقرر له أن يعين مجلساً رئاسياً من خمسة أعضاء بينهم رئيس المجلس الذي يريد له الحوثيون أن يدير البلاد لمدة عامين، تتم بعدها انتخابات برلمانية ورئاسية بعد تعديلات دستورية سيفصلونها على حسب رغباتهم.
في الصورة الأمور على ما يرام، والحوثي نجح في الوصول إلى القصر الرئاسي، لكن السكرة غالباً ما تذهب سريعاً لتحل محلها الفكرة.
هناك مؤشرات على عدم اقتناع قطاع كبير من الحوثيين أنفسهم بالخطوة الخطيرة التي هربت إليها قيادة الجماعة في تكتيك غير محسوب، كما أن الانقلابيين يعرفون سلفاً وقد صرحوا بأنهم لجأوا إلى هذه الخطوة كخيار الضرورة، وإن كانوا هم الذين فرضوا هذه الضرورة. ثم إن كل القوى السياسية الرئيسية تعارض هذه الخطوة ولم تعترف بها، ناهيك عن الرفض الشعبي الذي تبلور من قبل ضد وجود المليشيات الحوثية داخل العاصمة وفي المدن اليمنية، والذي زاد احتقانا مع ما سماه الحوثيون إعلاناً دستورياً. وقد أعلنت قبائل مأرب رفضها له، وأعلنت السلطات المحلية في حضرموت عن رفضها له وكذا عدن وبقية الجنوب، وخرج الآلاف في تعز خلال الأيام الماضية يرفضونه، وخرج المحتجون في صنعاء على الرغم من شدة وطأة المليشيات عليها.
وفوق هذا الوضع المعقد فإن تعقيدات الحالة الاقتصادية ستلقي بظلالها على محاولات الانقلابيين تثبيت وضعهم الجديد، فالخليج أعلن من قبل وقف كافة أشكال الدعم الذي تقدمه دوله للحكومة، وهناك مخاوف من توقف إمدادات النفط عن صنعاء حال اندلاع معارك مع قبائل مأرب، وتتحدث تقارير عن صعوبات وشيكة ستواجهها الحكومة التي ينوي الحوثيون تشكيلها في دفع مرتبات الموظفين، ناهيك عن تقديم الخدمات العامة، والإيرانيون – ممولو الحوثيين - عادة لا يدعمون ميزانيات دول، ولكن يدعمون مليشيات لغرض التخريب والفوضى. والشيء الباعث على السخرية أن الحوثيين الذين أسقطوا حكومة الوفاق برئاسة محمد سالم باسندوة، بحجة رفع أسعار المشتقات النفطية، عادوا اليوم ليقولوا إن سلطتهم تفكر في رفع أسعار المشتقات النفطية لتغطية العجز، وهم بذلك يعطون خصومهم الحجة ذاتها للعمل على إسقاط حكومتهم.
وبالمجمل، ليس هناك مخاوف من إحكام الحوثيين سيطرتهم على البلاد، فالجزء الأكبر خارج سيطرتهم، لكن المخاوف تكمن في تفكك النسيج الاجتماعي بفعل إلحاح هذه الجماعة على إبراز لون طائفي فاقع من خلال ممارساتها التي تنبني على أساس مذهبي رغم إنكارها لهذه الممارسات، ثم إن إقدام الجماعة على إلغاء مقررات الحوار الوطني التي كانت محل إجماع المتحاورين، يعني مزيداً من التشرذم السياسي والاجتماعي في البلاد.