تذكر إحدى الأساطير الإغريقية الوثنية أن رجلا أغضب الآلهة فعاقبته ألا يموت، ورغم سعادته في سني عمره الأولى بهذا العقاب، إلا أنه ومع امتداد العمر وموت أبنائه وأحفاده أمامه، تبلد إحساسه فأصبح لا يقيم وزنا للحياة أو الموت والفراق أو اللقاء، وطال عمره حتى بلغ مئات السنين، ورغم مظهره الشاب وتعلق الدنيا به، إلا أنه مل كل شيء وأخذ قاربا وانطلق به إلى عمق المحيطات وهو يصرخ ويتذلل للآلهة أن تخفف حكمها وتقبل بموته.. كانت تلك أسطورة تداولها البشر منذ آلاف السنين، ولم يدر بخيال أي شخص أن هذه الأسطورة قد تكون قابلة للتحقق، إلا منذ أقل من عقدين من الزمن بعدما اكتملت خريطة الجينوم البشري وثار سؤال مثير أمام علماء الهندسة الوراثية عن ماهية الجينات المسؤولة عن العمر والموت والشيخوخة وكيف نستطيع إطالة عمر البشر والاحتفاظ بشبابهم.
وبدأت القصة مع د. كالفين هارلي من جامعة ماستو الكندية، الذي استطاع تحديد الجين المسؤول عن إحداث الشيخوخة في البشر وهي نهايات الكروموسومات والتي تسمى تيلوميرز Telomers، واكتشف العالم الأمريكي كارل باريت من المعهد الأمريكي القومي للعلوم البيئية والصحية جينا على الكروموسوم الأول له علاقة بإحداث الشيخوخة، وتمكن فريق من العلماء من اكتشاف جين آخر على الكروموسوم الرابع يحافظ على شباب الخلية، وحدد فريق عمل بقيادة د. مايكل رييث مجموعة من الجينات المسؤولة عن شيخوخة الجلد والأوعية الدموية وخلايا المخ، وفي جامعة تكساس اكتشف العالم وودرنج رايت برنامجين لعمل الجينات يديران عملية شيخوخة وموت الخلايا.
وهكذا أصبحت الخريطة الجينية للشيخوخة وامتداد العمر والاحتفاظ بالشباب سواء للجسم أو الخلايا شبه مكتملة، وخلال السنوات الأخيرة تم تصنيع بعض المواد التي تطيل من عمر الخلايا وتقلل من شيخوخة خلايا الجلد.
ومع هذا النشاط المحموم توقع العلماء أن يستطيعوا بعد عدة قرون من الآن أن يطيلوا عمر الإنسان إلى ما يقارب من ألف عام عن طريق تلك الهندسة الوراثية التي تستخدم العلاج بالجينات بعد رسم الخريطة التفصيلية لكل شخص على حدة، ونسي الجميع الأسطورة الإغريقية.. ترى هل سيرحل كل البشر ساعتها إلى أعماق المحيطات طلبا من الله عز وجل أن ينهي حياتهم التي فقدوا فيها الإحساس بالحياة والموت والمتعة والحزن؟ ترى إلى أي مدى سيبلغ طموح علماء الجينوم البشري بعد بشر بعمر ألف عام؟
بشر بعمر ألف عام.. والأسطورة الإغريقية
عصام موسى2 دقائق للقراءة

حجم الخط
