لا شيء يتكرر! فكل شيء يتغير، ولكل شيء إيقاعه المختلف، وذبذبته المختلفة. في كل الأشياء ومع كل الأشخاص، في أول الزمان وفي آخره، وفي كل الظروف وعلى كافة الأصعدة، وهذا سر إبداع الخالق في خلقه الذي لا ينقطع ولا يتوقف، وسر فطرته جل جلاله (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ) فـ (الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) وإذا كان الأمر كذلك فإن التطابق والتطبيق مصطلحات ضيقة في ذاتها ومضيقة على الناس بهجة الحياة ومعنى الوجود، في الدين والدنيا، وهو فهم لا ينتجه إلا عقل أُحادي، دغمائي، مغلق، يدعي صاحبه امتلاك الحقيقة المطلقة، ناجزة ومتجلية في وعيه بشكل مسبق، وليست مهمته في الحياة إلا احتكارها، والدفاع عنها وخوض المعارك من أجلها. وفي مزاعم امتلاك الحل الكامل والأجوبة الكافية والأدوية الشافية. التي تحتم الإقصاء والرفض، أو حتى الاستئصال للمخالف. ومن ثم استخدام العنف الرمزي والمادي المتوحش لتحقيق الأهداف المبرمجة في الأدمغة المفخخة. لا يوجد تطابق إلا داخل المنظومة الأيديولوجية المعلقة التي تقوم على خدعة الشعارات الزائفة والمقاييس الأوحدية للنظر والعمل، ومن ثم الحكم والقضاء، والعقوبة والإعدام النفسي أو البدني.
ليس هناك تطابق أو تطبيق ديني (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ) وقيام الدين باتباعه (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ)، وفي الاتباع معنى لطيف لا يوجد في التطبيق. فالاتباع يعني القدرة على الفهم والقدرة على الفعل، ويراعي الظروف والمتغيرات، وفيه من الرحمة والرفق والمرونة، ما لا يحمله مفهوم التطبيق الذي يعني نمطية الأداء والتركيز على صورة الفعل دون روحانيته وذوقيته، ودون الوعي بالظروف التي يكون عليها الفاعل ومدى تأثيرها عليه من اختلاف الأزمنة والأمكنة وما فيها على الفعل والفاعل.
وليس هناك تطبيق في العلاقات الإنسانية بين الزوجين، والأولاد، والعامل ورب العمل وسواهم، إذ لكل أحد إيقاعه النفسي وفرادته الفطرية، كما يختلف في قدراته ومدركاته. أي إنه مجموعة من الأقدار المختلفة عن غيره، ومجموعة من الأقدار المتنوعة في ذاته، كما يقول أحد العارفين: (إن لله فيك مع كل نفس قدر) وبذلك نفهم واحداً من أهم أسباب الفشل الزوجي والتربوي والحياتي العام، وهو وهم التطابق والمناداة به في إلغاء لحرية الفرد ونفي لمجالات حياته وتعدديته، مما أنتج الصراعات والخلافات، بل وأقام الحروب ودمر التنمية وعطل الحضارة وأفسد ذوق الحياة.
لقد ولى زمن الاحتكار المعرفي، ومعه ولى زمن السلطة والقبضة المحكمة على السلوك الإنساني. ولن يجدي سوى العمل على تحفيز الإنسان على إدراك القيم الروحية العليا لديه، وفهم أسرار إنسانيته والحياة من أجل الحب والجمال والسلام. هذه طريقة صناع الغد الذين خلعوا النعلين (العادات القابضة والمفاهيم الخاطئة) ودخلوا في وادي العطاء من أجل حضارة الإنسان وصلاحه وسلامته.
خرافة التطابق
محمد الدحيم3 دقائق للقراءة

حجم الخط
