قيام أحد المحسنين بتوزيع ألف ريال لكل مستحقٍّ شاع في القرية الصغيرة – قبل عقدين -! من دون حاجة لتقديم شهادةٍ بفقر المذكور أو تزكيةٍ يوقّعها إمام المسجد تثبت حضوره الصلوات الخمس! تقاطر الأهالي للمكان المشهود؛ وكانت آلية التوزيع تقضي بترتيب المستفيدين تلافياً لانتهاء «حفلة الخير» بكارثة نتيجة التدافع! فتمّ توزيعهم بصفوفٍ منتظمة وتنبيههم بضرورة إبراز «هوياتهم» الوطنية لتقييد معلوماتهم في السجلّ الذي سيرفع لاحقاً للمحسن الذي حضر فعله الخيّر وغاب عن مشهد «التسليم»! ومع حالة التزاحم كانت الصفوف سرعان ما تختلط فيقفل الكاتب سجلّه اعتراضاً على تسبب عشوائية الصفوف والتدافع بمنعه من إتمام مهمته! وكان المستفيدون يعون الرسالة فتعود صفوفهم للانتظام خشيةً من مغادرة الموظف فخروجهم من المولد بلا حمص!
أحد المستفيدين حمد الله بوصول دوره أخيراً؛ مبتسماً أخرج بطاقة هويته التي لم يمرّ عليه شهرٌ منذ استلمها كونه بلغ الخامسة عشرة وأصبح رجلاً! وبتسجيل بياناته طلب منه الموظف أن يبصم على «فاقته» ففعل! ثم هوى الموظف بالدباسة على بطاقة الهوية ووسمها بدبّوس أصيل! فصرخ لتسبب الموظف بتشويه إثباته الرسمي! وكردّ فعلٍ صرخ الموظف بوجه المحتاج مبيّناً له العلّة منعاً لقيام بعض المحتاجين بمغافلته فإعادة الكَرَّة بالتقديم للاستفادة من الحصول على الصدقة مرّتين! لأنه – برغم أن المعلومات مسجلة - إلا إنه لا يستطيع التدقيق نظراً للزحام وضيق الوقت! ثم فتح الدرج وناول المحتاج 100 ريال لا ألفاً! ارتفع صياح الموظف مرّة أخرى حين همس المستفيد بأنه من غير المعقول أن يتبرع المحسن بمائة ريال فقط! وهو ما فهمه الموظف بأنه رسالة مبطّنة هدفها التشكيك بأمانة القائمين على الصدقة!
غادر المحتاج الموقع استجابة لصيحات المنتظرين الذين اتهموه بتعطيل «عمل الخير» بعد ضمان وصوله إليه! دسّ المائة ريال في محفظته المهترئة؛ وطوال الطريق الترابي كانت تجتاحه دفقات سعادة غامرة وإن كانت تخالطها مشاعر غبنٍ على بطاقة هويّته التي ستبقى محتفظة بأثر «وسم الصدقة» عليها لوقتٍ طويل!
وسم الصدقة!!
محمد حدادي2 دقائق للقراءة

حجم الخط
