منذ إعلان تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) سيطرته على مدينة الموصل العراقية وامتدادها إلى الأنبار والرمادي بمحاذاة الحدود مع الأردن، اتخذت عمّان سلسلة من الإجراءات الوقائية لأيّ خطر أو محاولة تسلل مسلحة لاختراق حدودها الممتدة مع العراق على طول نحو 181 كلم. وتنوّعت المسارب التي اتخذها الأردن في تعامله مع الاضطرابات الأمنية التي تشهدها المدن العراقية، خاصة تلك المتاخمة لحدوده، ومن ذلك إعلان حالة التأهب القصوى في صفوف الجيش، والإفراج عن سلفيين معتدلين أملا في مواجهة فكر “داعش” الذي يجد أنصارا له في مدينة معان (280 كلم جنوب العاصمة عمّان).
مقاربة أمنية
ويأخذ الحديث عن توظيف الدولة مواقف منظّرين معتدلين في التيار السلفي لمواجهة فكر “داعش”، أصداء واسعة داخل الفضاء الأردني، إذ يرى معها خبراء في شؤون الجماعات الإسلامية أن هذا التوظيف ينطلق من مقاربة أمنية أكثر منها سياسية باتجاه محاربة السلفيين المتشديين من قِبَل سلفيين إصلاحيين. وأفرجت السلطات في 16 يونيو الماضي عن منظّر التيار السلفي في العالم، عصام البرقاوي الملقب بـ “أبو محمد المقدسي”، في خطوة ربطها محللون بتداعيات الأزمتين السورية والعراقية، وتحديدا انقسام السلفية الجهادية بين جبهة النصرة وتنظيم داعش. ثم نطقت محكمة أمن الدولة بعد عشرة أيام من ذلك، بالحكم بتبرئة قيادي سلفي آخر هو عمر محمود عثمان الملقب بـ “أبو قتادة” من تهمة التآمر لارتكاب أعمال إرهابية في القضية الشهيرة التي عرفت بـ “الإصلاح والتحدي”، بعد أن كان حكم عليه بالإعدام غيابيا في 1999، في حين ما زال يواجه اتهامات أخرى في قضية “الألفية”، ومن المنتظر صدور الحكم في 7 سبتمر المقبل.
لا يمكن الأخذ بهذا التفاهم المطروح، بمعزل عن الأوضاع الأمنية التي تشهدها مدينة معان، التي تعدّ المدينة الأردنية الأكثر تصديرا للجهاديين إلى سوريا والعراق، إذ سبق لأبرز قادتها الملقّب بـ “أبو سيّاف” أن أكد إرسال نحو 900 مقاتل إلى سوريا. كذلك فإن “داعش” التي تخوض معارك في العراق تجد بعض المناصرين لها بين أبناء معان، وخرج أفراد من التيار السلفي بمسيرة مؤيدة لهذا التنظيم في معان، استدرك “أبو سياف” بالتبرؤ منها بعد ذلك.
تأهب عسكري
دفعت الأوضاع الأمنية الصعبة والخشية من حدوث فلتان أمني على الحدود العراقية مع الأردن إلى اتخاذ مراكز القرار في عمّان قرارات عاجلة، حيث أعلن الجيش الأردني في 23 يونيو الماضي عن حالة التعبئة العامة بين صفوفه. وأكد الجيش في بيان أنه مستعد لأي تطورات على حدوده مع العراق، فيما أرسل تعزيزات عسكرية إلى الحدود، وتحديدا بجوار معبر الكرامة. وكشف أن تلك التعزيزات تشمل أرتالا من الدبابات وراجمات الصواريخ والأسلحة الثقيلة، بسبب التطورات المتتالية والسريعة في المدن العراقية المجاورة للأردن وسيطرة مسلحين على المعابر الحدودية.
كما أعلن الجيش في 8 يوليو الحالي عن فتح باب التجنيد، لسد النقص العام في صفوفه شريطة ألاّ يقل التحصيل العلمي للمتقدمين عن الصف الأول الثانوي، وأن يجيدوا القراءة والكتابة. وبحسب بيان لقيادة الجيش، فإن باب التجنيد مفتوح بدءا من مواليد 1987، وسيتم منح المتقدمين من حملة الشهادة الجامعية الأولى رتبة رقيب بأقدمية سنة، وحملة شهادة الدبلوم رتبة عريف، أما حملة الثانوية العامة فسيحصلون على رتبة جندي أول. ويأتي إعلان الجيش في ظلّ مطالب نيابية متواصلة بضرورة زيادة رواتب منتسبي الجيش والأجهزة الأمنية خاصة مع الظروف الأمنية التي تعيشها البلاد على حدودها الشمالية مع سوريا والشرقية مع العراق. وكان آخر تلك المطالب ما جاء في رسالة من البرلماني محمد شديفات دعا فيها إلى الإسراع في تحسين الأوضاع الاقتصادية للمواطنين، وتحديدا العاملين في الجيش والأجهزة الأمنية، والعمل في الوقت نفسه على فتح باب التجنيد في القوات المسلحة، وإعادة العمل بـ “الجيش الشعبي” الذي لجأ إليه الأردن عشية الاحتلال العراقي للكويت مطلع التسعينات.
إسرائيل: داعش أكبر تهديد
بالتزامن مع التطورات الخطيرة على الحدود الشرقية والشمالية للأردن، أصدر مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي دراسة رأى فيها أن الأردن يتعرّض لأكبر تهديد من تنظيم داعش، وأن الانتصارات التي حققها هذا التنظيم في كلٍّ من سورية والعراق، تؤكد أن التنظيمات الجهاديّة في الوطن العربي، التي تريد محو الدول القومية وإقامة دولة الخلافة الإسلامية مكانها، عززت كثيرا من قوتها وباتت تشكل خطرا استراتيجيا على الدول العربية. وتابعت الدراسة أن دخول تنظيم “الدولة الإسلامية” إلى الأردن في ظل الأزمة الاقتصادية التي يعيشها، وفي ظل وجود نحو مليون نازح سوري ومئات آلاف العراقيين، من شأنه أن يهدد البلاد.
توظيف السلفية
يرى الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية مروان شحادة، إن هناك إمكانية لأن توظف الدولة الأردنية مواقف “أبو قتادة” والمقدسي المناهضة لتنظيم الدولة الإسلامية في الشام والعراق (داعش)، إذ كثيرا ما عبّر هؤلاء القياديّون السلفيون عن انتقادات لداعش، إلى درجة أن “أبو قتادة” وصفهم بـ “خوارج العصر”. وحسبما صرّح به شحادة لـ “مكة”، فقد أرسل كل من “أبو قتادة” والمقدسي من سجنهما برسائل محمَّلة بالانتقاد العلني لداعش وسلوكها، خاصة في العراق، وهما أقرب ما يكونان لمراجعة موقفهما من (داعش العراق) التي تبدو الجماعات السنّية هناك في تحالف معها، في مواجهة ما أسماها “الحركات والميليشيات الطائفية العابرة للحدود بقيادة إيران، والتي مارست أشكال العنف والتصفية الطائفية بحق سنّة العراق”.
محدودية الحركة
أما الكاتب الصحفي الدكتور محمد أبو رمان الخبير بشؤون الجماعات الإسلامية، فطالب بضرورة تجاوز الحلقة المحدودة الصغيرة التي تدير سياسة التعامل الأردني مع هذا التيار، إلى دوائر أوسع ونقاشات أعمق، فالمسألة برأيه “أصبحت تتجاوز الحسابات الأمنية المباشرة”.
وأضاف أبو رمان لـ “مكة” “منذ أعلن المقدسي في رسالته إلى الزرقاوي عن خلافه مع خطِّهِ، بدأ التيار الجهادي المحلّي ينقسم بين اتجاهين رئيسين: الأول يضم مفاتيحه ورموزه في الأردن ويقف مع المقدسي، بينما يضم الثاني أتباع الزرقاوي (أُطلق عليهم حينها مصطلح “الزرقاويون الجدد”) ويمثلون امتدادا لخطّ الزرقاوي. وقد تطوّر هذا الخلاف لاحقا واتخذ أبعادا متعددة، ليصبح بين “القاعدة” الأمّ ومعها “جبهة النصرة” من جهة، وخطّ الزرقاوي الذي يمثّله حاليا تنظيم “داعش” من جهة أخرى”.
لا توجد أخطار
تزامن إعلان الجيش، مع محاولة الحكومة تطمين الأردنيين بشأن الأوضاع على الحدود والتهدئة في مدينة معان، حيث أكد رئيس الوزراء عبدالله النسور أمام أعضاء مجلس الأعيان أن الأردن لا يواجه أيّ أخطار تهدد أمنه، رغم ما تشهده حدوده مع العراق وسوريا من أحداث، وأن مدينة معان “ليست متَّهمة أو مستهدَفة، ولا ينبغي أن تكون، لأن هذا سيكون سقطة سياسية بأن يستهدف الوطنُ بعضَهُ ونفسَهُ”. وكان مجلس الوزراء وافق في 25 يونيو الماضي، على تجنيد ثلاثة آلاف شخص في المديرية العامة لقوات الدرك لـ 2014، لكي تتمكن قوات الدرك من القيام بمهامها التي تزايدت في ظل الظروف الأمنية والسياسية الطارئة التي تمر بها المنطقة وخاصة مع ازدياد أعداد مخيمات اللاجئين السوريين التي كُلّفت المديرية بحراستها، إضافة لواجباتها في حراسة العديد من المؤسسات والدوائر والبعثات الدبلوماسية.
حدودنا آمنة
أعلن وزير الإعلام محمد المومني في اتصال هاتفي مع “مكة” أن حدود الأردن مع العراق لم تُغْلَق حتى الآن، موضحا أن الحركة على الحدود في حدودها الدُّنيا جرّاء الأوضاع الأمنية. وأكد المومني ردا منه على تهديدات للأردن تنسب بين حين وآخر لقادة داعش أن “الأردن يمتلك كامل القدرة على الدفاع عن أراضيه بفضل أجهزته الأمنية والعسكرية، وهو قادر أيضا على حماية نفسه بفضل وعي مواطنيه والنموذج الأردني السياسي الإصلاحي الجامع”. تأتي هذه التطورات عقب أنباء عن سيطرة وإحكام مسلّحين على جميع المعابر الحدودية للعراق مع سوريا والأردن، بعد سيطرتهم على معبرَي طريبيل والوليد الحدوديَّين في محافظة الأنبار غربي البلاد، ومعبر القائم على الحدود العراقية - السورية، وكذلك سيطرة المسلحين على بلدة الرطبة القريبة من الحدود الأردنية في محافظة الأنبار، وهي رابع بلدة في المحافظة تسقط بأيدي المسلحين.
تصريح مقلق
علق الكاتب الصحفي راكان السعايدة على تقرير مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي بتحذيره الأردن من خطر داعش، بقوله إن التقرير يشير إلى مخاطر ويضع وجود الأردن في دائرة الاستهداف. وقال لـ “مكة”: “الموقف الإسرائيلي يحتاج إلى فهم أعمق بأن الأمر يتعدى الخشية على الأردن وأمنه واستقراره، فهو ينطلق من قراءة تل أبيب لمصالحها، وقد يدفع الأردن وفقا لتطورات المشهد العراقي، إلى دور خارج حدوده”. وأضاف “الأردن، في مرة أو مرتين، أسس للتصادم مع تنظيم القاعدة خارج الحدود، ضمن تغييره لقواعد الاشتباك ورؤيته أن الأفضلية بالنسبة له أن يواجه التنظيمَ في معاقله خارج الجغرافيا الأردنية”.
وبيّن السعايدة أن أي تقييم أردني لماهية التفكير الحاصل في دوائر قرار واشنطن وتل أبيب بشأن دوره ومهمته، لا بد أن يتحسّب للمخاطر ونطاق هذه المخاطر.
2500 شاحنة عالقة
على صعيد آثار الأوضاع الأمنية المتردّية وتبعاتها على الشأن الاقتصادي، بيّن الكاتب الصحفي والمحلل الاقتصادي ينال برماوي أن حركة الشحن البري توقفت بين الأردن والعراق، إذ إن هناك قرابة 2500 شاحنة أردنية لم تعد قادرة على دخول الأراضي العراقية. وأضاف برماوي لـ”مكة” أن توقُّف حركة الشحن أدى إلى عدم تنفيذ المصدّرين الأردنيين لعقودهم والتزاماتهم التصديرية إلى العراق، الأمر الذي سيحمّلهم خسائر فادحة.
وقال إن تفاقم خسائر قطاع الشاحنات سيزداد بشكل مضطرد وسريع عمّا كان عليه جراء الأزمة السورية التي تسببت بخسارته نحو 200 مليون دينار (نحو 300 مليون دولار). كما أن ذلك يأتي في وقتٍ كان الأردن يأمل فيه زيادة صادراته للعراق التي كانت تشارف على حاجز 2 مليار دينار (نحو 3 مليارات دولار) قبل نحو 10 سنوات.
الحلقة الأولى
الحلقة الثانية
الحلقة الثالثة
الحلقة الرابعة
الحلقة الخامسة
الحلقة السادسة
الحلقة السابعة

