جلست الحكمة والخوف بعينيها، تتأمل فنجان الخيميائي المقلوب، قالت: يا ولدي لا تحزن، فالرعب عليك هو المكتوب، يا ولدي.
ثم أتمت بقية قصيدة نزار المتشائمة، رغم ما فيها من وعود بضحكات وأنغام وورود: فنجانك دنيا مرعبة، وحياتك أسفار وحروب، ستحب كثيرا يا ولدي، وتموت كثيرا يا ولدي، وستعشق كل نساء الأرض، وترجع كالملك المغلوب، بحياتك يا ولدي امرأة عيناها، سبحان المعبود.
ولكن الخيميائي، لم يكن بلا حكاية هو الآخر، فقد كانت له قصص مدهشة، جعلت أخباره تعبر الأمصار، وتشغل الركبان في ليالي سفرهم بقوافل من الإبهار والأحلام، فهو من تثور بجلساته الغازات الملونة، وتنتشر الروائح النفاذة، ومن تسمع في أواخر الليل أصوات الفرقعات في وحدته، ومن يقال إنه قد حول الحديد ذهبا، ومن يهمس البعض بأنه يعرف كيف يصنع أكسير الحياة!.
لقد طلب رأي المثقفين والمختصين، ليس باعتقاده بأنهم يملكون الترْياق، ولكنه في الفترة الأخيرة اضطر إلى الجلوس أمام كثير من الناصحين يستشيرهم ويسألهم عما يرون في مستقبله الغامض مع حبيبته الجديدة، الملقبة بالأرملة السوداء لكثرة ما قتلت من أزواج لها سابقين، كانوا يطمحون لمعاشرتها بالحسنى، وأن ينجبوا منها الذرية الصالحة، ليعقبهم العمل الصالح، ولكن أمانيهم اختلطت بالحامض فتسامت!.
الأرملة الطروب كانت أكبر منه سنا رغم تشببها، وهي أكثر منه تجربة، ولها من قديم الزمان قصص غموض، وسحرة وحيات، وكؤوس مسمومة.
والأرملة حكاية مداواة وإسقام قديمة تسكن في قصر مرصود: والقصر كبير يا ولدي وكلاب تحرسه وجنود، وأميرة قلبك نائمة، من يدخل حجرتها مفقود، من يطلب يدها، من يدنو من سور حديقتها، مفقود، من حاول فك ضفائرها يا ولدي، مفقود.
.
مفقود.
حكاية من أساطير ترْياق الأولين تتجدد، فلا الأرملة تتوقف عن تجديد زينتها وتشببها، ولا تنوب عن لسعاتها المتكررة.
ولا الخيميائي أيضا يتوقف عن عشق ترْياق الطلاسم، ومزاج تجربة تحويل العناصر إلى مفارقات، فيطلب يد المستحيل، بمهر المستحيل.
الأغلبية من حوله يرددون مقولات التخويف: مقدورك أن تمشي أبدا في الحب على حد الخنجر، وتظل وحيدا كالأصداف، وتظل حزينا كالصفصاف، مقدورك أن تمضي أبدا، في بحر الحب بغير قلوع، وتحب ملايين المرات، وترجع كالملك المخلوع.
ولكن الخيميائي، يرفض كلمات الاستشراف المثبطة، ويحمل أنابيبه الملونة، ومساحيقه، ويتجه لحضن حبيبته، رغم كثرة الحساد والمناوئين، يدللها، ويعدها بوعود شاعرية لم تسمع مثلها من قبل، ويبادرها بلمسات دفء تشعرها بأنها شابة جميلة رقيقة واعدة رغم ترهلها، وممتلئة بالخير والشفاء، وأن سمومها وهم وظنون.
لا شك أن الخيميائي شاعر، فقد أغراها بسحر كلماته، وأدخلها معه في شهر عسلي، وطموح بحياة مرسومة، وعطاء مستمر، وعناية بها وبأحبابها، وجعلها عروسا دائمة مهابة في بيت لا تدخله الأوبئة، ولا تدق أبوابه العلل.
فنتمنى للعروسين التوفيق، وأن نشرب نخب نتاج ذلك بصحتنا جميعا.
الخيميائي
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
