شهر واحد يفصل بين الناخب التركي وصناديق الاقتراع التي تنتظره لاختيار الرئيس الثاني عشر للجمهورية، في انتخابات يحدد فيها المواطن مباشرة رئيسه المقبل بعدما كانت هذه المهمة موكلة إلى البرلمان حتى اليوم.

مؤثرات انتخابية

البعض يرى أن عوامل كثيرة بدأت منذ الآن تؤثر على تكوين قرار الناخب التركي الذي لا يعرف الكثير عن برامج المرشحين ووعودهم الانتخابية، لكنه يهتم بشخصية وحضور وتجربة الرئيس المرشح وما قدمه لتركيا، وما قد يستطيع فعله في التعامل مع مسائل وأزمات داخلية وخارجية تتربص بالبلاد، وأهمها الملف الكردي، والاستقرار السياسي والاقتصادي، وأزمات دول الجوار المحيطة بتركيا، وعلى رأسها الأزمتان السورية والعراقية.
عامل آخر سيكون له تأثيره في هذه الانتخابات، وهو صوت الناخب التركي الموجود في الخارج، حيث تتحدث الأرقام عن وجود 4 ملايين صوت يعيش معظمها في الدول الأوروبية، وهي جاهزة للتوجه إلى الصناديق بعدما منحتها حكومة العدالة والتنمية هذه الفرصة التي كانت تجد صعوبة في الوصول إليها.
استطلاعات الرأي في غالبيتها تقول إن رئيس الوزراء رجب طيب إردوغان هو الأوفر حظا، لكن المعارضة ترى أن بين العوامل التي ستحدد النتيجة مدى توجه المواطن إلى صناديق الاقتراع صباح الأحد في العاشر من أغسطس المقبل وإقباله على التصويت، فهو وحده العامل الأبرز في معرفة خيار 52 مليون شخص من المتوقع أن يذهب أكثر من 80 % منهم إلى التصويت.

الأوفر حظا

إبراهيم أوسلو رئيس شركة “ أنار” لاستطلاعات الرأي التركية يرى أن رجب طيب إردوغان مرشح حزب العدالة والتنمية لانتخابات رئاسة الجمهورية هو المرشح الأوفر حظا والذي سيفوز من الجولة الأولى للانتخابات بحصوله على نسبة تتراوح بين 52 و56% من مجموع الأصوات.
ويتابع أوسلو أن إردوغان سيحقق رقما قياسيا في هذه الانتخابات بسبب دعم الناخب الكردي له، كونه سيقدم لهذا الناخب هدية ثمينة هي إنجازه مشروع التعديلات القانونية والسياسية الجديدة في التعامل مع ملف المسألة الكردية باتجاه حلها بعد عقود طويلة من الانتظار، لكن استطلاعات أخرى بدأت تقول العكس وتتحدث عن بقاء مرشح المعارضة أكمل الدين إحسان أوغلو في قلب المنافسة.

صدمة جديدة

استطلاع الرأي الذي قامت به شركة “L R C” ونشر هذا الأسبوع شكل صدمة جديدة للعدالة والتنمية، كونه يختلف عن عدد من الاستطلاعات الأخرى التي تضمن لإردوغان الفوز من المرحلة الأولى للانتخابات، حيث رأى الاستطلاع أن حظوظ إردوغان إذا ما بقي للجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية قد تتراجع، وأن الفوز غير مضمون له، خصوصا أن الفارق بينه وبين أوغلو في الجولة الأولى لا يتجاوز 5 نقاط فقط.

حساب الثروات

ثروات المرشحين الثلاثة لانتخابات رئاسة الجمهورية التركية هي الأخرى دخلت على خط الحملات الانتخابية، حيث فاجأت ثروة مرشح المعارضة إحسان أوغلو المواطنين الأتراك في أن يملك أكاديمي وباحث عن عمل لسنوات طويلة في هذا الحقل 9 شقق في إسطنبول وأكثر من 3 ملايين ونصف المليون دولار نقدا في حسابه المصرفي، ثم يبرر ذلك بأنها ثروة أسرته وأسرة زوجته ومردودات الكتب التي ألفها وترجمها.
ورغم أن الأرقام التي قدمها إردوغان جاءت ضخمة أيضا فإن الشعب الجمهوري المعارض لم يقتنع بهذه المعلومات، وطالب إردوغان بالكشف عن ثروة أبنائه أيضا.
وفي هذا الإطار تقدم نائب مدينة قونيا في الحزب أتيلا قارت بشكوى الإدلاء بمعلومات غير صحيحة وإخفاء الحقيقة أمام المدعي العام التركي في أنقرة ضد رئيس الوزراء التركي ومرشح العدالة والتنمية إردوغان بسبب الأرقام والمعلومات التي ذكرها حول ثروته الشخصية.
وقال النائب قارت في الشكوى إن المعلومات التي قدمها إردوغان غير صحيحة، وإنه خالف بذلك قانون التصدي للفساد والرشاوى التركي، مذكرا بالمكالمة الهاتفية التي جرت بينه وبين نجله بلال في ديسمبر الماضي خلال عمليات الدهم والاعتقالات في صفوف قيادات العدالة والتنمية.
والمعروف أن قانون الانتخابات التركي يفرض على المرشحين التقدم بمعلومات تفصيلية حول ثرواتهم وممتلكاتهم، وممتلكات زوجاتهم وأبنائهم تحت سن الرشد، وأن معلومات المرشح الفائز هي التي ستنشر في الجريدة الرسمية التركية.

حرب جولن

الانتخابات المقبلة في تركيا ستتحكم في مسارها أيضا مسألة العلاقة بين الحكومة وجماعة العلامة فتح الله جولن التي تفجرت قبل عامين وظهرت إلى العلن قبل 6 أشهر وانتهت بهزيمة الجماعة في الانتخابات المحلية الأخيرة.
فالحديث يتركز هنا على سيناريو يتناقله الإعلام المقرب من الحكم، ويتحدث عن إرسال المدعي العام في مدينة إنقرة سردار جوشقون تعليمات خطية سرية لمديري الأمن في 30 مدينة تركية تتضمن 23 مادة يدعوهم فيها لإجراء تحقيقات أمنية مفصلة حول نشاطات جماعة جولن وتمركزها وانتشارها في المؤسسات الرسمية والخاصة.
كما يطالب المدعي العام جوشقون أجهزة الشرطة بتحديد هوية كبار القيادات بالجماعة وطريقة إدارة شؤونها والهيكلية التنظيمية والإدارية لها، وتحديدا في أهم الوزارات والمؤسسات الرسمية، مثل وزارة العدل والتربية والتعليم ومديرية الاستخبارات والمؤسسة العسكرية.
التركيز كما يقول إعلام الجماعة نفسه هو محاولة العثور على أدلة تدين الجماعة وعناصرها في محاولة لإسقاط الحكومة، وهذا هو بيت القصيد.
حنفي افجي رئيس مدير الاستخبارات في جهاز الشرطة التركية الذي دخل في مواجهة مباشرة مع الجماعة هو الآخر أدت لاعتقاله ومحاكمته وسجنه بتهمة الانتماء إلى تنظيم إرهابي والمشاركة في عملياته ضد النظام، وأطلقت المحكمة الدستورية سراحه قبل أسبوعين، كشف النقاب أخيراً عن تفاصيل مخطط كانت تعد له جماعة جولن أو الكيان الموازي كما يسمى في تركيا، يبدأ في فبراير 2012 خلال عملية استجواب وتوقيف قيادات في جهاز الاستخبارات التركي وعلى رأسهم رئيس الجهاز هاقان فيدان بتهم التخابر مع حزب العمال الكردستاني المعروف بأنه حركة إرهابية في تركيا، ثم استهداف قيادات حكومية وسياسية في حزب العدالة والتنمية بتهم الفساد والرشاوى في عملية بديسمبر الماضي، لكن المفاجأة الأكبر حسب افجي كادت تكون قاعات محاكمات كبرى جهزت على مقربة من إسطنبول في ناحية سيليفري المعروفة بمكان محاكمات المطرقة “وارغنيكون” والتي كانت ستستقبل قيادات العدالة والتنمية هناك وعلى رأسهم إردوغان طبعا.
الإعلامية المعارضة نزلي اليجاك تقول حول عملية “صيد الساحرات” الذي بدأته حكومة العدالة والتنمية ضد قيادات جماعة فتح الله جولن: الآن يريدون العودة إلى ما قبل سنوات للبحث عن نشاطات الجماعة واحتمال العثور على ما يحولونه إلى تهم ضدها، والتركيز هو على ناحيتين: هل كانت هناك استعدادات أو خطط لاستخدام السلاح ضد الحكومة؟ ثم هل كانت الجماعة تعد لانقلاب يطيح بحكومة إردوغان ويبعدها عن السلطة؟ والبحث متواصل عن الأدلة والإثباتات التي لن يعثروا عليها بعد أشهر طويلة من التفتيش، لأنها غير موجودة أصلا، كما تقول اليجاك.

ثمن التحدي

إحسان أوغلو يعرف أنه يدفع ثمن اقتحامه العمل السياسي وعدم سماع الناخب التركي باسمه من قبل، وحياته الطويلة هو وأسرته في مصر ودراسته في الأزهر وعلاقاته المميزة بالعالمين العربي والإسلامي، وأن إردوغان متمسك حتى النهاية في الصراع من أجل الوصول لكرسي الرئاسة بعدما أفشل عشرات السيناريوهات حول احتمال تراجعه عن هذا الخيار.
أما في موضوع المرشحين وحظوظهم وفرصهم فإن أوغلو عليه كما يرى البعض من الكتاب والإعلاميين أن يتجنب ارتكاب أخطاء سياسية لا يمكن سد فجواتها قد تقلق الناخب الإسلامي المعتدل والمحافظ الذي يسعى وراء صوته.
وكما فعل أخيراً حين رفعت مجلة “تورك صولو” أو اليسار التركي صورته على غلافها بعد حديث مطول أجرته معه أغضب مناصريه من المحافظين والعلويين وحكومة العدالة والتنمية أيضا.
فإحسان أوغلو بخطوته هذه من خلال منح المجلة المحسوبة على اليسار القومي التركي والتي عرفت بمواقفها وشعاراتها المتشددة ضد الكثيرين، مثل هذه الفرصة يكون قد تسبب بإحراج قيادات المعارضة ومن أعلن تأييده لها من المعتدلين والإسلاميين والعلويين الأتراك على السواء.

مهمة كردية

أما مهمة صلاح الدين دميرطاش مرشح حزب الشعب الديمقراطي الكردي الذي انتخب رئيساً لحزب الشعب الديمقراطي بعد قرار دمج الحزب مع حزب السلام والديمقراطية بتوصية من عبد الله أوجلان في محاولة للوصول إلى شرائح المجتمع الكردي الأخرى، فقد تكون هي الأصعب بين المرشحين، خصوصا أن استطلاعات الرأي لا تعطيه أكثر من 9% من مجموع أصوات الناخبين الأتراك، لكن ما يعرفه دميرطاش أكثر من غيره أنه في حال فشل إردوغان في الوصول لقصر الرئاسة من الجولة الأولى فإن حزبه هو الذي سيتحول إلى بيضة القبان في المواجهة المحتملة بين إردوغان وأوغلو، وأنها قد تفتح الطريق أمامه لمفاوضة إردوغان على تفاصيل كثيرة في ملف المسألة الكردية في تركيا.

خليفة الزعيم

معظم المحللين السياسيين الأتراك يكتبون عن أزمة إردوغان والعدالة والتنمية الكبرى، والتي ستكون حول موضوع من يخلف إردوغان في الحكومة وقيادة الحزب.
ورغم أن إردوغان يردد أن لا خلافات حول هذه المسألة التي لا نناقشها اليوم، بل التركيز هو على الانتخابات الرئاسية أولا، فإن الإعلام التركي ينقل تسريبات يومية عن انزعاج الرئيس عبد الله غول من محاولات تصفيته وإبعاده سياسيا وحزبيا، وأنه لن يقبل المغادرة والانسحاب بمثل هذه السهولة.
مقربون إلى إردوغان يذكرون أن محمد علي شاهين نائب رئيس الحزب، أو أحمد داود أوغلو وزير الخارجية هما الأوفر حظا، لكن آخرين يرون أن بولنت ارينش يتمسك بعبد الله غول حتى النهاية إلى درجة بدا يطرح نفسه هو ليتولى القيادة في حال انتخاب إردوغان رئيسا.
إردوغان يقول إنه لن يكون رئيساً يجلس في الواجهة دون أن يشارك في القرارات ورسم السياسات، وإنه يريد أن يمهد للنظام شبه الرئاسي ثم الرئاسي في تركيا.
وأعلن ذلك صراحة أكثر من مرة، لكن المعارضة تصر على أن تركيا ليست جاهزة بعد لنقاش من هذا النوع أو محاولة تغيير شكل النظام بهذه الطريقة التي تفرض من الأعلى على المواطن التركي.
مغامرة العدالة والتنمية قد تتحول إلى أزمة كبيرة ومكلفة في صفوف الحزب على ضوء مرحلة ما بعد الانتخابات الرئاسية، فالناخب سيعطي قراره في الانتخابات البرلمانية المقبلة في يونيو 2015، إذا ما كان سيلتزم بما يقوله ويريده إردوغان ويوافق عليه هذه المرة أيضا، أم إنه بات يبحث عين التغيير والتجديد والبديل حتى ولو كان حزب العدالة والتنمية نفسه هو بيت القصيد.