عندما تدرس الطريقة التي تدخل فيها الولايات المتحدة الحروب، تجد أن هناك نمطا سائدا حتى لو لم يكن كاملا. الحدث الذي يثير الأمر يكون غالبا أزمة مفاجئة تؤدي إلى بث الحماس في الرأي العام وتصبح المناسبة المباشرة للتدخل العسكري لكنها في النهاية تُكشف على أنها مفهوم خاطئ أو فبركة من الأساس.
الحرب الأمريكية - المكسيكية (1846-1848) بدأت عندما تحدث الرئيس الأمريكي حينذاك جيمس بوك عن هجوم على القوات الأمريكية في تكساس - وهي قوات وضعها بشكل مقصود لاستفزاز المكسيك. الحرب الأمريكية - الإسبانية (1898) بدأت عندما ادعى الرئيس الأمريكي وليام ماكينلي أن مخربين قاموا بتفجير السفينة الحربية «ماين»؛ وأظهرت التحقيقات لاحقا أن الانفجار تم من داخل السفينة، ربما بسبب اشتعال حريق بشكل غير مقصود في مستودع الذخيرة على السفينة.
مؤخرا، تصاعدت وتيرة الحرب في فيتنام عندما استغل الرئيس الأمريكي ليندون جونسون حادثا في خليج تونكين لتبرير تدخل عسكري واسع النطاق في جنوب شرق آسيا. الحادثة وقعت في مياه متنازع عليها، وبسبب هجوم قارب حربي لم يحدث مطلقا في الحقيقة. العدو ربما كان مجموعة من الحيتان.
هذا النمط ليس كاملا. الهجوم الياباني على الأسطول الأمريكي في ميناء بيرل هاربر لم يكن جزءا من مخيلة الرئيس فرانكلين روزفلت. حتى نظريات المؤامرة التي جاءت فيما بعد والتي كانت تدعي أن روزفلت كان مهملا بشكل مقصود، وأنه كان يبحث عن «باب خلفي لدخول الحرب» ضد ألمانيا، جميعها تبين أنها غير صحيحة.
التدخل العسكري الأمريكي في العراق يناسب النمط تماما. فيما نحن نشاهد الاستثمار الأمريكي الكبير في الدماء والأموال على مدى الـ 11 سنة الماضية يذوب في العراق، يتطلب التاريخ أن نتذكر الأسباب التي جعلتنا ندخل الحرب، ولماذا كانت تلك الأسباب غير صحيحة، ولماذا كانت الفوضى الطائفية في العراق حاليا متوقعة وحتمية دائما.
الرئيس جورج بوش، الذي اقتنع بأفكار ديك تشيني، قال إن صدام حسين كان يمتلك أسلحة دمار شامل، بما في ذلك قدرات نووية، وأن هناك ارتباطات نووية بين العراق وتنظيم القاعدة المسؤول عن هجمات 11 سبتمبر على مركز التجارة العالمي والبنتاجون. كلا الادعاءين كانا غير صحيحين. لكن ظلال هجمات 11 سبتمبر أثرت بقوة على جميع النقاشات في تلك اللحظة، ولذلك حرفت وكالة الاستخبارات المركزية الأدلة حتى تناسب الفبركة، والكونجرس الخائف ساير القصة المفبركة فيما أكدت غالبية وسائل الإعلام الأمريكية الرئيسة تلك الفبركات. أصبحت المعارضة أمرا غير مقبول.
عندما أصبحت الحقائق واضحة وتبخرت الذرائع لتدخلنا العسكري، كانت هناك حاجة لاختراع مبرر جديد. ومن هنا جاءت فكرة الالتزام الأمريكي بإنشاء نظام ديموقراطي في الشرق الأوسط. لكن الأحداث الأخيرة في العراق بينت أن ذلك الحلم الديموقراطي كان دائما مجرد وهم. وكل الخبراء السياسيين والصحفيين الذين أخطؤوا منذ البداية، والذين يلومون اليوم الرئيس باراك أوباما بسبب فشله في الإبقاء على وجود عسكري أمريكي في العراق، يجب أن يتم التشكيك بمصداقيتهم لأنهم قللوا من أهمية الولاءات القبلية والعرقية والدينية في الشرق الأوسط التي تجعل إقامة دولة علمانية في العراق أمرا مستحيلا على المدى المنظور.
رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي لن يشكل حكومة تعددية شاملة، ليس فقط لأنه عنيد ولكن لأن الشعب العراقي لا يريد مثل هذه الحكومة. في الحقيقة، ليس هناك شيء اسمه «الشعب العراقي». جميع أعضاء الميليشيات الشيعية الذين يتجمعون حاليا لا يتطوعون للحفاظ على وحدة العراق ولكن لحماية مزاراتهم الدينية.
إن ما نشهده الآن هو تقسيم العراق إلى ثلاث كيانات مستقلة - شيعية وسنية وكردية- وهو أمر كان دائما نتيجة محتومة للإطاحة بصدام. القوى الطائفية في العراق ومعظم أنحاء الشرق الأوسط أصبحت خارج نطاق سيطرتنا، وأي وجود عسكري أمريكي سيزيد قوة المتطرفين الإسلاميين في الصراع.
الخطأ الأمريكي الكبير لم يكن عدم ترك قوة عسكرية في العراق في 2011، لكنه كان غزو العراق في 2003. السفارة العملاقة التي بنيناها في بغداد ستصبح، عاجلا وليس آجلا، أثرا يرمز إلى الحماقة الأمريكية. القرار بإرسال 300 جندي أمريكي إلى العراق يكشف أن أوباما لم يستوعب الحقائق بعد. هو يعتقد على ما يبدو أن الولايات المتحدة تستطيع أن تهزم أكثر من 1000 عام من التاريخ لتغيير الشرق الأوسط. نحن لم ولن نستطيع أن نحقق ذلك.
وإذا وقع حادث مرعب لإحدى سفننا في الخليج، أو إذا وقعت كارثة لما يسمى «خبراؤنا العسكريون»، مما سيستدعي مزيدا من القوات الأمريكية، فإن نصيحتي لجميع الصحفيين أن يدققوا جيدا في التاريخ وفي المصادر التي يحصلون منها على معلوماتهم.
الطريقة الأمريكية في الحرب
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
