ذهب الأب مع ابنه الذي بلغ من العمر سبع سنوات ليسأل عن مدرسته التي سيلتحق بها في بداية عمره الدراسي، وجاءته الإجابة المرعبة ابنك لن يدخل المدرسة بل لدار تأهيل، لأن تحاليله وتقييم سلوكه من الناحية النفسية والاجتماعية تبين أنه سيكون مجرما عتيد الإجرام عندما يبلغ العشرين من عمره بنسبة قد تتعدى 75%، ولذلك فسوف ينتظم في برنامج تأهيلي له وللأسرة يجب أن يمر به بنجاح حتى يمكنه ابتداء حياته الدراسية كأقرانه.
نعم هذا ما يمكن أن يحدث بعد عقد أو عقدين من الزمن.. فبعد نشر واكتمال الخريطة الجينية للإنسان واكتشاف العديد من العوامل البيولوجية والوراثية فانخفاض مادة السيروتنين في مخ الأشخاص والأطفال والسلوك العدواني والتي تصاحب عدة أمراض كالاكتئاب والفصام وارتفاع نسبة الهرمونات الذكرية كالتستستيرون في الرجال وهرمون البرولاكتين في النساء كل هذه التغيرات وغيرها يمكن أن تقاس بدقة أكثر بعد عقد أو عقدين من الزمن، ورغم أن الجينات التي تؤثر في حدوث السلوك العدواني هي جينات مرنة أي تتأثر وتعدل من تفاعلها وفقا للعوامل البيئية والتربوية التي يمكن تصحيحها في المراحل المبكرة لحياة الأطفال.. وجد أن أهم هذه العوامل البيئية هي إدمان المخدرات والكحول والتفكك الأسري وانفصال الأبوين وإهمال الأبوين لأطفالهما وغياب القدوة.. والتعرض لصدمات نفسية في مرحلة الطفولة والاضطهاد النفسي خلال الدراسة والتخلف الدراسي، كما أن ظهور الميول العدوانية عند الأطفال وعدم إصلاحها أو تقويمها عن طريق الأبوين كنوع من الدلال قد يكون سببا مهما في الميول العدوانية التي تتحول إلى ميول إجرامية بالوقت.
بالتأكيد أن ما قصصنا في البداية هو نوع من الخيال لكنه خيال يكاد يحط على أرض الواقع كنوع من أمثلة التطبيق العملي للهندسة الوراثية والذي لا يمكن استبعاده.. وهو مثال يبعث على الراحة والطمأنينة فما زال العامل البيئي له السيطرة على النتيجة النهائية والتي تتلخص في أن الأسرة هي صمام أمان للمستقبل النفسي والحياتي لأطفالها ومجتمعها على عكس عدة أمثلة أخرى في العديد من الأمراض وقصر العمر والسرطانات التي لا تعطي تلك النتائج المبشرة وتبقى الرسالة الجينية الصادقة «أيها البشر عندما تختارون إنشاء أسرة ابذلوا الكثير من الجهد لتختاروا الأنسب فالأطفال هم من يسددون فاتورة الفشل».