إن اللائكية كقاعدة مؤسسة لحقوق الإنسان تظهر، حتى غربيا، خصيصة فرنسية كانت وليدة الثورة البورجوازية في 1789 وردة فعل ضد الثالوث المناهض لها والمشكّل من المونارشية والفيودالية والكنيسة الكاثوليكية (يمثلها الكليرجي أي الكليركوس نقيض اللاييكوس). وهذا التحالف العضوي المصلحي حدا بالبورجوازية الصاعدة المنتصرة إلى القيام بإجراءات ثورية متلاحقة، تصدّرها تقويض الامتيازات والحقوق الفيودالية، الإعلان عن حقوق الإنسان والمواطن، تأميم الأملاك الكنيسية وعرضها على البيع... وبالرغم من تركيز دستور الثورة الأول على فصل الدين عن الدولة، فقد اضطر نابليون في 1801 إلى قبول نظام التوافقية Concordat بتوقيعه وتوقيع البابا بّي Pie السابع، وذلك على خلفية قولته الشهيرة في الموضوع: «المجتمع بلا دين كسفينة بلا بوصلة».
أما في بلدان غربية وازنة أخرى فإن العلاقة بين الديني والسياسي اتسمت بطبائع ووظائف مختلفةٍ مغايرة. فهذه ألمانيا (وأحد أحزابها العتيدة هو الحزب الديمقراطي المسيحي) ترفع ضريبة عمومية ينفق ريعها على المؤسسات والمصالح الدينية؛ وهذه إنجلترا التي تتوج ملكَها (أو ملكتَها) الكنيسةُ الأنجلكانية؛ وهذه الولايات المتحدة الأمريكية حيث يؤدي كل رئيس منتخب اليمين الدستورية على الإنجيل المقدس، وتقام الصلاة إلزاميا في كثير من مدارسها، وتحمل الورقة الخضراء (الدولار) هذه الشعار: In God we trust؛ وأخيرا وليس آخرا هذه الدولة العبرية، إذ تغتصب أرض فلسطين الإسلامية، تقيم مشروعيتها المزعومة على ذكريات توراتية وعلى يهودية الدولة كنخاع شوكي وركن ركين، ومثالها أشهر من أن يفصّل فيه العرض هنا..
جُماع القول إن اللائكية، الفرنسيةَ المنبت والمأتي والتي لا مرادف لها في لغات غربية أخرى، تظل عصية على التصدير أو الاستيراد، وبالتالي عبارة عن ترجّ طوباوي إذا لم تكن وليدة الإرادة الجماعية والضرورة التاريخية.
عن اللائكية
بنسالم حميش2 دقائق للقراءة

حجم الخط
