بدافعٍ مِن وطنيّةٍ تتجاوز الكثير من الصيغ الجاهزة، والشعارات المبتسرة، مسستُ (هيئة الإذاعة والتلفزيون) بطائفٍ من نقدٍ عابرٍ، لمرتين ثنتين، تناولت فيهما ما ليس ينبغي أن يَخفى هزالها على أيّما أحدٍ، وبالتالي نقدها، ذلك أنّ الكافة من (قنواتها) قد باتت من السعوديين رأي العين؛ لا من حيث المتابعةُ؛ فذلك ضربٌ من المحالِ، وإنما من حيثها قنواتٌ، تنتمي لهذا: «الوطن» الذي يُمثّل ثقلاً إقليمياً / وعالمياً في ثلاثيّة الأبعاد: الدينية/ والسياسية/ والاقتصادية، والذي يعزّ على كلّ منتمٍ إليه، أن يرى: « إعلامه» وبخاصة قنواته، في الدّون من أن تُقارب مكانته، والتي ما فتئت - هذه القنوات - تثبت أنّها تفتقر لكفاءةٍ يمكنها أن تعكس ولو شيئاً قليلاً من هذا الثقل الدولي! وما من أحدٍ فيما أحسب يصحّ أنّ يجادل في: «أن قنواتنا» لطالما احتلّت مكاناً قصيّاً في إحصاء عدد متابعيها، إذ كثيراً ما تأتي( قنواتنا) في الخارج من صندوق: «التصنيف» الجاد؛ الأمر الذي بالضرورة أنه يُسفرعما هي عليه من تواضعٍ أضحى بيّناً للجميع، في زمنٍ قد أُتيحت فيه معياريّة: «المقارنة» بين بثّنا / وبث الدول المجاورة في قنواتهم الحكومية، حتى لمن لم يكن مختصّاً؛ فكيف إذن بمن سواه من الاختصاصيين. على أيّ حالٍ..أولى المرات التي تناولت: «الربع» كانت مقالة مقتضبة، وهي بعنوان: «التلفزيون السعودي يدار بعقلية الماضي»، بينما الثانية كانت تحمل عنوان: «طاش ما طاش الحقيقي يعود للتلفزيون السعودي» - يسعك الاطلاع عليهما في أرشيف هذه الصحيفة.
ومدار مقالتي الثانية، لم يكن سوى تعليقٍ ليس بالطويل، على كلمةٍ لمعالي رئيس الهيئة، قد دشّن بها احتفالهم في إشهار أعمال رمضان لهذا العام. وهي الكلمة الضافية/ الفاضية، التي أضحت ملء السمع والبصر، منذ أن طار بها الركبان عبر كلّ وسيلة اتصالٍ، وذلك جراء ما كان فيها من: «جزالة» غير مسبوقة!
وفي مهنيّة مارستها: «مكة» ذلك أنّها لا تؤمن أن الصواب كله مع كتابها، نشرت وبحذافيره كلّ ما جاء في رد الوكيل: المهندس صالح المغيليث بحيث أشركني في تعقيبه على الأستاذ: قينان- لذات السبب- إلا أنّ الطريف يمكن ملاحظته يوم أن نعتني في مقال ردّه هذا؛ بكوني: «الكاتب الآخر»، ما جعلني أستوعب جيداً منطلقات كلمة: «الرئيس» حين الحفل المذكور، يوم أن أزبد وأرعد، في سياقٍ من رفضه لأيّ نقدٍ يمكن أن يطاوله وهيئته! وهو: «الجبل الذي لا يهزّه ريح» كما أخبرنا عن نفسه بعبارته المشهودة. وبكلٍّ فإنّ نعتي بـ: «الآخر» هو الآخر قد كشف عن: «رؤية الهيئة» لكل سعوديّ قد يختلف معهم، بأنّه لا يعدو أن يكون: «آخر»! مع ما لهذه الأخيرة من حمولةِ معانٍ أتمنى أنها لم تكن قد خطرت لهم على بالٍ أثناء التشاور على صياغة مفردات ذلك التعقيب!
وأيّا يكن الأمر.. فإنّه ما من شكٍّ، أنّي قد أفدت كثيرا من نقد: «المغيليث» إيايَ، وبالتالي تفهّمتُ جيداً فحوى ردّة فعلهم الغاضبة/ والمتشنّجة، ولم أشأ إذ ذاك، أن أعقّب على مقالته، لأنّ كلانا قد كتب رأيه فبلّغناه للقراء سويةً، ولم يبق إلا المتلقي ليحكم تالياً؛ بين ما كتبت وما كتبوا؟!
وإذن.. فأيّ شيءٍ قد اضطرني للعودة ثانية لموضوعٍ، كان الأجدر تجاوزه كما فعلتُ قبلاً؟
وقبل أن اشتغل إجابةً على الشيء الذي اضطرني للعودة ثانية..سأوضح أمرين لا بد من الإبانة عنهما على هذا النحو:
* ما كان لهذا العنوان الذي يتصدّر هذه المقالة أن يأتي بمثل هذه الصياغة اللافتة لولا أنّ: سعادة الأستاذ عبد الرحمن الهزّاع؛ هو من قد أوحى بها، بل إنّه هو من قد تلفّظها بمخارج حروفٍ سليمة لا تشكو غمغمةً، وذلك أثناء حواره مع المديفر في: «روتانا خليجية»، حين لم يجد أليق وصفٍ بمن تناولوا هيئته بالنقد، من القول بأنّهم من فئة:( لعبنا وإلا بخرّب..)!
* في مقدّم هذه الكتابة أيضاً، قد تعمدت عن إصرارٍ - ورجوت الصحيفة الإبقاء عليها – تسمية: «هيئة الإذاعة والتلفزيون» بـ: «هيئة الهزاع»، وذلك أنّ معاليه قد قال في ذات حوار روتانا ما يلي: (اللي أطلعه بقنواتي أكرّمه) على الرغم من أنّه لم يسبق أن انزلقت مثل هذه الجملة: «قنواتي» من فم أكبر مسؤولٍ في هذا البلد المبارك.. ناهيك عن الوزير!
قد أبدو متجنيّا بادي الرأي..إذ لربما أن تكون سبقت لسانا لم يقو على منع تدفّقها من فمه، إلا أنّ العودة لذات المفردة: «قنواتي» وسماعها ثانيةً، ستجدها وقد تكرّرت بعد بضع ثوانٍ، كما أن التلفظ بها جاء منساباً، ما يعني أنّها مفردة مألوفة التكرار ومطروقةً بكثرة في أروقة الهيئة!
عقب هذا الإبانة، التي لم يكن منها بدٌّ؛ أعود لأجيب عن سؤال: ما الذي اضطرني للعودة ثانيةً للكتابة في ذات الموضوع؟ فأوجز الإجابة بهذه المرقومات:
*معاليه لم أشرف بالمطلق أن التقيت به، فضلا أن أخاصمه.. وله مقام الأب إجلالاً.. وكنتُ أقرؤه في صحيفة: «الرياض» لأفيد منه، مع أني كنتُ أظنهما: «هزاعين» لا هزّاعا واحداً.. أحدهما الكاتب وثانيهما: «رئيس الهيئة»!
* أعترف أني لست في منأى عن توسل الخشونة في نقدٍ: «مسؤولين» كبار، وبأكثر مما كتبته في شأن: «الهيئة»، إذ لم أكن ناعماً كما يحبون، ولست أذكر – إي والله - أنّ أحدا منهم قد أبدى- مما أكتب ومما يكتب سواي- انزعاجاً عبر أي طريقة أو أسلوب..أو طعناً في الوطنية.. أو الوصم لنا بالتجييش ابتغاء النيل منه!!
* أقسم بالله - ومن حلف به فقد برئ - إنّي لم أتلق من الصحيفة أمراً بالكتابة.. أو إني منضوٍ مع مجموعةٍ – كما قال معاليه - منظّمة تروم نقده وإسقاطه..ذلك أنّه بشخصه نكنّ له كل احترام جراء سنّه/ وتاريخه الوظيفي، إنما الاختلاف على كونه أثبت وبكلّ جدارةٍ يشهدها الغالب ممن يتابع، أقول: قد أثبت وبكل جدارةٍ من قبل أن يبدأ وبأكثر من برهانٍ على فشله في مثل هذا العمل الضخم، هذا إذا ما أضفنا إلى أنّ الهيئة لم تزل بعد تفتقر للرؤية..مع أنها في بدء التأسيس الذي له ما بعده في المستقبل!
* أوضح معاليه - في ذات الحوار- بأنّ من نقدوه - دون أن يستثني أحداً - كلهم إنما اجترحوا النقد تشفيّاً وانتقاماً لأسباب شخصيّة، ذلك أنّهم قد طرقوا أبواب: «التلفزيون» بصورة أو بأخرى ورفضوا.. (وأيّ متعوسٍ ذلك الذي يطيح على خايب الرجا).. أما بالنسبة لي.. فتلك كانت نكتة أضحكتني وأهلي.. ذلك أنّي زاهدٌ بكل: «القنوات» الفضائية، وهي قنواتٍ أحسبها لم تزل بعد تشكّل للهزاع هاجس منافستها!
فكيف بالقنوات الخشبيّة.!؟ أن تغري أحداً في الظهور من خلالها!
* ألم يأن لأستاذنا: «عبد الرحمن» وقد أراحنا بمثل هذه الشفافية الخلاقة، إذ أبان من خلال حواره – مع المديفر - عن أنه مرهق/ ومكبّل وأنه من مخرجات جيل: «البيروقراطية»..ألم يأن له أن يستريح ليحفظ ما بقي له من لياقة في إدارة شؤونه الخاصة، ذلك أنّي رأيت الكثير مما انتابه من تبرّم- وقلق- جراء: «النقد» وقد مسّه على استحياء.. إذ إنّ القادم يشي بالكثير من إخفاقات الهيئة في حين سيتكاثر: «النقّاد» الذين تعنيهم: «قنوات وطنهم» ويحترقون ابتغاء أن يروها في الطليعة.
* التخصيص.. والمال..لا يكفلان وحدهما صناعة التمييز في إعلام ناجح.. إنما هو التفوق في شيءٍ آخر، أوشك على الجزم بأنّ الهزاع وفريقه لا يملكونه. وباختصار: شكرا لإخلاصهم وصدقهم ونزاهتهم مع أن هذه الأشياء (وهي تنفع في الآخرة) إلا أنها لا يمكن لها أن تجعل من العمل الخطأ صواباً..ومن الفشل نجاحاً.. فضلا أن يكون مميزاً ومنافساً!